ديناصورات الحداثة

ديناصورات الحداثة

هل حقاً أن ما بعد الحداثة ترك آثاره المدمرة على الفكر والثقافة؟! هذا ما يقوله الكاتب البريطاني، الباكستاني الأصل، طارق علي، كما جاء في حوار أجرته معه مجلة: «الدوحة» القطرية (عدد يناير 2010).

وهذه واحدة من فضائح الحداثيين، كما تتجسم في موقفهم السلبي والمعادي تجاه الموجة الفكرية الجديدة التي أطلق عليها اسم ما بعد الحداثة، والتي قام أعلامها بمراجعة نقدية للحداثة بمدارسها ونماذجها وعناوينها، كالعقلانية والاستنارة والنزعة الإنسانية. بالطبع لدعاة الحداثة براهينهم، ولكن المخرومة والواهية.

لقد ادعوا أن ما بعد الحداثة معادٍ للعقل، لأنهم ألهوا العقل وتعاملوا معه بوصفه أقنوماً أو جوهراً صافياً خالياً من شوائب الوهم والخرافة. ومن يفعل ذلك لا يحسن سوى تلغيم عقله، لأن العقل هو فاعلية فكرية تنتج الحقائق والمعقولات، كما تنتج الأوهام والخرافات.

وهذا ما حاوله الذين اشتغلوا بنقد العقل الحديث: النظر في مأزقه بالعمل على كشف بداهاته الخادعة وآلياته اللامعقولة وقوالبه الجامدة.. فافتتحوا بذلك إمكانات جديدة أمام العقل لفهم ما يحدث، في ما وراء الخطابات العقلانية والتقدم والحرية، من التراجعات والانتهاكات أو العبث والجنون أو الأزمات والكوارث.

وادعوا ثانياً أنها مناهضة للتنوير، لأنهم تعاملوا مع المشروع التنويري بوصفه تجربة لم تكتمل بعد، في حين أن التنوير هو ممارسة نقدية دائمة، لكشف أوجه القصور في مواجهة ما تولّده السلطات والمؤسسات من أشكال المصادرة والوصاية والاحتكار للحقيقة والمشروعية.

وهذا هابرماس المدافع الأكبر عن مشروع التنوير، كان يعتبر أن لا معنى لنقد هذا المشروع قبل اكتماله، نراه يتراجع الآن لكي يعترف بأزمة العقل التنويري قبل أن يكتمل، لأن لا شيء يكتمل أصلاً، مما يعني أن التنوير مهمة لا تتوقف.

وادعوا ثالثاً أن ما بعد الحداثة يقول بموت الإنسان ويشتغل بهدم الذات. بهذا قرأوا عبارة «الموت» بصورة حرفية ساذجة، لأن ما حاوله فلاسفة ما بعد الحداثة بحفرياتهم وتفكيكاتهم، هو كشف البنى والقوى والآليات واللغونات التي تفعل فعلها، بصورة خفية أو صامتة، من وراء الذات المفكرة، السيدة والقابضة..

بل هم بينوا أن في كل ما نفكر فيه ونعقله أو نبرهن عليه ونشرعنه، تبقى طيّات أو جوانب أو ممارسات معتمة أو مستبعدة من التفكير، أو مستعصية على الفهم أو منافية للمشروعية، أي هم فضحوا خرافة السيادة والقبض. وهذا ما يشهد به الواقع البشري اليوم، حيث الإنسان يظهر عجزه ويفقد سيادته على نفسه وأشيائه، على أهوائه ونزواته، على مصنوعاته وأنظمته، فضلاً عن نفاياته التي تلوث الأرض والسماء.

وادعوا رابعاً أن ما بعد الحداثة يحل الاسم محل المسمى، والنص محل الواقع، والبنية محل التاريخ والعلاقة محل الهوية.. بل هوّلوا بأنها تنسف فكرة الحقيقة وثنائية الصدق والكذب.

ولكنهم وقعوا في المطب وشهدوا على أنفسهم بالجهل، لأن ما فعله أهل النقد الجديد، هو على العكس بالتمام، إذ هم قاموا بتسليط الضوء على ما مارسه الحداثيون التقليديون، ليس فقط من نفي واستبعاد للوقائع المتصلة باللغة والبنية والرغبة، بل للتاريخ نفسه.

وذلك بتبيان أن للحقيقة تاريخها وسياقها وسياستها وأنظمة إقرارها ومؤسسات تداولها، أي أنها، دنيوية، تاريخية، مبنية، متحولة، أكثر مما هي متعالية أو مسبقة أو جاهزة أو نهائية... وهكذا فما فعله أهل النقد الجديد، هو تشريح الآفات أو كشف الأعطال والألغام، التي عملت على تفجير المشاريع الحديثة وبلوغها مآلاتها الفاشلة أو البائسة.

هذا النقد للحداثة كما انخرط فيه منذ زمن، قد تناول بالدرجة الأولى مفكرين غربيين كنعوم تشومسكي وبيار بورديو، أو مقيمين في الغرب كالراحل إدوار سعيد. وكان تشومسكي أول من أدرك أن النقد الذي تعرضت له الحداثة من جانب ميشال فوكو وسواه من أعلام الموجة الجديدة، إنما يطاله بالدرجة الأولى، فاستعجل بالرد واصفاً الإنتاج الفكري الجديد بأنه مجرد «ثرثرة» فكرية.

وتلك فضيحة من جانب مفكر يتعاطى على هذا النحو العدائي، مع أعمال فكرية هي من قبيل الكشوفات والفتوحات، بأدواتها المنهجية وشبكاتها المفهومية وطفراتها المعرفية.

وهذا ما فعله إلى حدٍ ما بيار بورديو في موقفه السلبي من النقد الجديد، إذ كلاهما تعامل بعقل نضالي تحريري مع مفاهيم الحقيقة والعقل والعدالة والحرية والمساواة، بتحويلها إلى أصنام نظرية أو إلى تهويمات أيديولوجية أو إلى مقولات خاوية، والنتيجة فقدان المصداقية والفاعلية في مقاربة المجريات وتشخيص الأزمات، مما يشهد على الجهل بسير العالم وعمل المجتمعات.

وهذا شأن طارق علي، الذي لم يجد في الموجة الجديدة سوى تدمير للفكر والثقافة، في حين حاول أهلها قراءة ما تكشف عنه العالم الحديث من النقائض على مستوى العقل، والأنقاض على مستوى الواقع.

وهذا ما يحاولونه الآن: تبيان ما تركته مشاريع الإنسان الحديث والمعاصر من الآثار المدمرة على الحياة والأرض والبيئة. وتلك فضيحة تشهد على تعصب صاحبها وانغلاقه وتحجّره، وتعامله مع الأفكار الجديدة كديناصور من ديناصورات الفكر اليساري لحركات التحرر الفاشلة والآفلة.

وهذا شأن المثقفين العرب الذين ناهضوا ما بعد الحداثة، وإن كان أكثرهم مقلدين، وليسوا منتجين أو مبدعين في حقول المعرفة كتشومسكي وبورديو. لقد تعاملوا مع مصطلح «التفكيك» بعقل طفولي بوصفه «فزاعة».

وهذه فضيحة الفضائح، ذلك أن المصطلح يشير إلى منهج في المقاربة، إلى نمط في الدرس والتحليل، إلى استراتيجية فكرية تجدّد معها عمل الفكر، باقتحام مناطق غير مسبوقة، وابتكار عدة جديدة خصبة وفعالة، والانخراط في ممارسات فكرية مختلفة. ويندرج تحت هذه الخانة أولئك الذين يتكلمون على الحداثة وما بعدها، من دون الإلمام بها. هذا ما فعله الدكتور محمد عمارة الذي اتهمني بأنني أريد إحلال العقل محل الله، وديكارت محل النص القرآني.

هذا مع أن مؤدى نقدي للحداثة هو كونها تعاملت مع العقل ومقولاته بمنطق التأليه والتقديس. هذا فضلاً عن كوني أعتبر أن النص القرآني والعقل الديكارتي يتفقان في تعاملهما مع الطبيعة وكائناتها، بوصفها مادة أو آلة مسّخرة لخدمة الإنسان ومصالحه. نحن إزاء نفس منطق التأليه الذي أوصل إلى الكارثة البيئية.

لا أغفل أن هناك آخرين اكتشفوا تخلفهم الفكري وقصورهم العقلي، من جراء وقوفهم ضد الموجة الجديدة التي عصفت بعالم الفكر وغيّرت خريطة المعرفة، فحاولوا استدراك ما فات.

ولذلك نراهم الآن ينخرطون في نقد الحداثة، أو يستخدمون مصطلح «التفكيك»، بعد أن كانوا يخشون منه، بمسوغ وربما من دون مسوغ. ولكن فاتهم أنه لا تفكيك من دون تركيب، ولذلك حديث آخر.

كاتب ومفكر لبناني

harb@cyberia.net.lb

طباعة Email
تعليقات

تعليقات