المشهد الذي تنقله لنا وسائل الإعلام، على اختلاف أنواعها، لا يبشر بخير، بل إنه ينبئ بأن صراع الحضارات أصبح يفرض نفسه على مسار الأحداث، ويطل بوجهه غير المريح على مسيرة البشرية، هذا الصراع الذي تحدث عنه عالم المستقبليات المغربي «المهدي المنجرة» في أوائل التسعينيات من القرن العشرين، وتبعه في ذلك الباحثان الأميركيان «صاموئيل هنتنجتون» وزميله ذو الأصول اليابانية «فرانسيس فوكوياما».
ففي ماليزيا ذات الأغلبية المسلمة، لاحت خلال الأسابيع الماضية بوادر فتنة طائفية بين المسلمين والمسيحيين والسيخ، عندما عثر على عدد من رؤوس الخنازير المقطوعة في باحات عدد من المساجد في العاصمة كوالالمبور، وربط المسؤولون عن الأمن ذلك بالهجمات المتبادلة على دور العبادة.
حيث تم الاعتداء على 11 كنيسة ودار عبادة للسيخ وعدد من المساجد خلال الأسابيع القليلة الماضية، بعد اعتراض المسلمين على قرار المحكمة العليا بالسماح لغير المسلمين باستخدام كلمة «الله» فيما رأوا أن وراءه محاولة لتحويلهم عن ديانتهم.
أما في نيجيريا التي يمثل المسلمون فيها نحو 55% من إجمالي عدد السكان البالغ 150 مليون نسمة، بينما يمثل المسيحيون 40% حسب الإحصاءات الرسمية، فقد اتخذ الخلاف الطائفي مسارا آخر.
وتحول إلى أعمال عنف ومجازر أدت حتى الآن إلى مصرع ما لا يقل عن 300 شخص في مدينة «جوس»، التي تفصل بين شمال البلاد ذي الأغلبية المسلمة والجنوب ذي الأغلبية المسيحية، بعد الاشتباكات التي نشبت بين المسلمين والمسيحيين، بسبب خلاف حول إعادة بناء منشآت تم تدميرها قبل عامين في أعمال عنف مماثلة، عندما احتج شبان مسيحيون على إعادة بناء مسجد في منطقة تسكنها غالبية من المسيحيين.
وأشعلوا النار في منازل وعربات في جزء من المدينة التي يسكنها 500 ألف نسمة، وقد تحولت هذه الاشتباكات إلى محاولات إبادة، حيث أفاد المراسلون بأن بعض المسنين قد احتجزوا لنحو 7 ساعات تحت الأرض.
وقالت منظمة «هيومن رايتس ووتش» التي تعنى بالدفاع عن حقوق الإنسان، إن المسلحين الذين هاجموا قرية «كورو كاراما» ذات الأكثرية المسلمة، قد حاصروها وبدأوا بملاحقة وقتل السكان المسلمين الذين التجأ بعضهم إلى مسجد القرية، لكن المسلحين راحوا يطاردونهم فقتلوا الكثيرين منهم، حتى أنهم أحرقوا البعض وهم أحياء، وفق بيان المنظمة.
حدث هذا في دول ينظر إليها الغرب على أنها مصدر الإرهاب والتطرف، ويحملونها مسؤولية ازدياد انتشار الأصولية في أوساط الشباب، مثلما فعلت وزيرة الخارجية الأميركية «هيلاري كلينتون» الأسبوع الماضي.
وهي تتحدث في اجتماع بمسؤولين في وزارتها بعد توجيه الاتهام لشاب من عائلة نيجيرية ثرية بمحاولة تفجير طائرة فوق الولايات المتحدة يوم عيد الميلاد، لتشدد الولايات المتحدة من إجراءاتها الأمنية على جميع النيجيريين المسافرين إليها منذ محاولة التفجير تلك، محملة 150 مليون نيجيري مسؤولية ما ارتكبه شخص واحد.
لكن دول الغرب نفسها ليست بعيدة عن هذا النهج الطائفي، فقد أفاد استطلاع أجرته مؤسسة «جالوب» لاستطلاعات الرأي أن 53% من الأميركيين ينظرون إلى الإسلام بصورة سلبية، وأن الأميركيين الذين يكنون مشاعر متحيزة ضد المسلمين، يشعرون بالشيء نفسه تجاه اليهود.
وفي فرنسا أشار استطلاع للرأي نشر الأسبوع الماضي إلى أن 62% من الفرنسيين يؤيدون حظر النقاب في الأماكن العامة، وذلك في أعقاب صدور تقرير للجنة برلمانية فرنسية أوصى بفرض حظر جزئي على ارتداء النقاب في البلاد باعتباره رمزا للتطرف.
وفي بريطانيا أظهر استطلاع للرأي أعده معهد «أنجوس ريد» البريطاني أن 72% من البريطانيين يؤيدون منع النقاب أيضا، فيما قالت الحكومة البريطانية إنها تشاطر فرنسا موقفها من السعي إلى حظر النقاب في الأماكن العامة، وعلى خطاهما سارت كل من هولندا والدانمارك وإيطاليا وبلجيكا، وما زال الأمر قيد البحث في كل من ألمانيا والنمسا.
وسواء اختلفنا أو اتفقنا على مشروعية النقاب من عدمها، فإن فكرة حظره نابعة من منطلق طائفي عقائدي بحت لا يمكن إنكاره، غير متجاهلين بالطبع تصويت الشعب السويسري ضد بناء المآذن فوق الأراضي السويسرية، التي يقيم فيها 400 ألف مسلم لن يكونوا قادرين على بناء مآذنهم بعد الآن.
علما بأن المآذن هي الأخرى ليست أكثر من مظهر لأنها لم تعرف إلا في مطلع القرن الثامن الميلادي، أي بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم بحوالي 170 عاما، وفي الشام التي كان فيها العديد من الكنائس عندما دخلها الإسلام على أرجح الروايات.
هل هو إذن صراع الحضارات أو صدامها هذا الذي تدور في فلكه كل هذه الأحداث لتهدّ أركان نظرية العولمة التي تعمل على الترويج لها الدول الكبرى، هذه النظرية القائمة على انتقال البشرية من التاريخ الخاص إلى التاريخ الواحد ذي الثقافة الواحدة والنمط الإنتاجي الواحد، وبالخروج من الدولة القومية وعدم الاعتراف بالحدود السياسية للدول كإطار جغرافي للتميز؟
ربما تكون العولمة قد نجحت أو ستنجح بدرجة كبيرة في جانبها الاقتصادي المتمثل في توحيد السوق العالمي وفتح الحدود الجمركية، وربما تكون ستنجح أو نجحت بدرجة أقل في جانبها الثقافي المتمثل في الأفلام والمسلسلات وثقافة المأكل والملبس، لكن العقبة الكبرى التي سوف تصطدم بها وتحقق فشلاً ذريعاً فيها هي عولمة العقائد.
إذ يبدو من المشهد الذي رصدنا بعض ملامحه في مناطق مختلفة من العالم، أن الصدام العقائدي هو المرشح الأول لبطولة المرحلة المقبلة من تاريخ البشرية، لكنه بطل دموي شديد الشراسة، لا نعرف إلى أين سيقود الأحداث ولا كيف سيكتب النهاية.
فهل ثمة من يدرك الخطر القادم فيعمل على نزع فتيل الوضع المتفجر؟ وهل ثمة من هو قادر على نزع هذا الفتيل لتجنيب البشرية مرحلة لا يعلم إلا «الله» كم من الدماء ستسيل فيها؟!