كل شيء يمكن التسامح معه أو الخلاف حوله في مصر، إلا ما يمس الوحدة الوطنية ومحاولات إثارة الفتنة على أسس طائفية يرفضها المسلمون والأقباط معاً. هذه هي القاعدة الأولى في العمل الوطني منذ قيام الدولة الحديثة في مصر، ولم يكن ذلك ناشئاً من فراغ، بل من تاريخ طويل في العيش المشترك، منذ أن دخل الإسلام مصر وتحول إليه معظم سكانها، وأصبحت لغة القرآن هي لغة الجميع، والثقافة العربية هي الجامع المشترك لكل المصريين.
في ظل هذا التاريخ وقف أقباط مصر مع مسلميها ضد الحملات «الصليبية» الأوروبية، وقاوموا معاً الحملات الفرنسية، ورفضوا كل محاولات الاستعمار البريطاني لتفعيل مبدأ «فرق تسد» الذي حكم به كل المستعمرات، وكانوا صفاً واحداً في الثورة ضد الاحتلال عام 1919، وعندما وضعوا أول دستور بعد ذلك بأربع سنوات، رفض الأقباط أن تكون لهم نسبة محددة من مقاعد البرلمان، باعتباره تقسيماً طائفياً للمصريين. وظلت مصر تعيش تحت مبدأ أن «الدين لله والوطن للجميع»، ورفض الأقباط على الدوام أن يكونوا «أقلية»، وأصروا على أنهم جزء من نسيج وطني واحد.
ورغم الضغوط بعد كامب ديفيد من أجل التطبيع، تمسك الأنبا شنوده رأس الكنيسة المصرية بموقفه العظيم، الذي رفض فيه أن يحج الأقباط إلى القدس وهي تحت احتلال إسرائيل، مؤكدا أن أقباط مصر لن يدخلوا القدس إلا مع إخوانهم المسلمين بعد تحريرها.
من هنا يصبح مفهوماً أن يكون الهدف الأساسي لكل من يريد إضعاف مصر ومحاصرة دورها، هو أن يفتح ثغرة في هذا السد العالي الذي يحمي وحدتها الوطنية، وأن تكون إثارة الفتنة الطائفية هي الوسيلة التي ترغم مصر على الانكفاء للداخل، بينما يتم تمرير مخططات للمنطقة أو إعداد الساحة لتطورات خطيرة.
ومن هنا أيضا يتم استغلال كل حدث طائفي، في إثارة حملات في الخارج تحاول تصوير الأمر على أنه حرب إبادة(!!) وترتفع أصوات تسكت على جرائم إسرائيل الوحشية ضد العرب، ثم تنتقص مطالبة بمعاقبة مصر على أحداث هي محل إدانة المصريين جميعاً، ولكنها بالقطع ليست سياسة دولة، ولا تعبر عن حقيقة مجتمع مصر المتمسك دوماً بوحدته الوطنية.
وفي الأيام الأخيرة، وبعد حادث نجع حمادي الذي كان محل استنكار مصر كلها، انفتح الملف مرة أخرى، وتكررت أيضا محاولات استغلال الحادث من أطراف أجنبية، وتكرر في المقابل الموقف الوطني الجامع لأقباط مصر ومسلميها، الرافض بحسم لهذا التدخل، سواء جاء من منظمات رسمية كالبرلمان الأوروبي أو الكونغرس الأميركي، أو تجمعات مشبوهة تدعي الحديث باسم أقباط مصر، في وقت كان البابا شنوده يرفض مقابلة الوفد الأميركي الذي يعد تقرير الحريات الدينية للكونغرس الأميركي، مؤكداً على الموقف الثابت للكنيسة المصرية بأن شؤون الداخل تعالج داخل الوطن.
هذا الموقف الحاسم من جانب الجماعة الوطنية في مصر بمختلف أطيافها، الرافض للتدخل الأجنبي.. لا ينبغي أن يكون وسيلة لإغماض العيون عن مشاكل موجودة، ولا الاعتماد على صلابة الوطنية المصرية في مواجهة محاولات زرع الفتنة، خاصة حين تكون المنطقة كلها غارقة في الانقسامات الطائفية والعرقية، وحين تكون مصر والعرب في دائرة الاستهداف، وأيضا حين تخلق الظروف الداخلية اقتصاديا واجتماعياً وثقافياً وسياسياً، مناخاً يمكن استغلاله في زرع الفتنة.
وهو ما دعا الرئيس المصري حسني مبارك إلى إعلان موقف بالغ الأهمية الأسبوع الماضي في هذا الصدد، حين اعترف بخطورة الأحداث الطائفية التي حاول البعض (حتى في الحكومة ومجلس الشعب) التقليل من أهميتها أو نفي أي صفة طائفية لها، وحين وجه النقد لمؤسستي الأزهر الشريف والكنيسة، مطالباً بتجديد الخطاب الديني والتأكيد على قيم التسامح والمودة، ومطالبا المثقفين بأداء دورهم في هذا المجال، ومؤكداً على مدنية الدولة، وعلى المساواة بين المواطنين، وعلى عدم استغلال الدين في الصراعات السياسية.
هذا موقف جديد يعود بدور الدولة إلى مكانه الطبيعي في حماية الوحدة الوطنية، وهو الدور الذي بدأ تعطيله منذ أيام الرئيس السابق السادات، بانتهاج سياسة كان هو نفسه أحد ضحاياها، وبخلق مناخ أنتج جماعات العنف التي عانت مصر منها طويلاً حتى قضت عليها، ولكن بقيت ثقافة التعصب والكراهية تنفث سمومها، واكتفت الدولة بالاعتماد على الأمن في مواجهة ذلك، بينما كانت السياسات الاقتصادية تخلق أوضاعاً تزيد فيها الفوارق ويعاني الفقراء وتزداد البطالة.
وكانت الحياة السياسية يتم تفريغها والأحزاب كلها، بما فيها حزب الحكومة، تفقد تواجدها في الشارع وتترك الساحة خالية للمؤسسات والجماعات الدينية بمختلف توجهاتها، لتمارس دوراً سياسياً ليس لها أن تمارسه، لأنه يؤدي إلى الاستقطاب على أسس دينية وليست سياسية.
عودة السياسة مطلوبة على الفور، وعودة الحياة للأحزاب أمر ضروري، وكذلك إقرار نظام جديد للانتخابات بالقوائم النسبية، يعطي الفرصة لكل أطياف المجتمع للتمثيل البرلماني.. وبعدها معركة طويلة تحاصر فضائيات وصحفا ومواقع ألكترونية تزرع الفتنة وثقافة تساعد على ذلك، وتنهي ما تتعرض له أجيال جديدة من تشويه في التعليم وفي الثقافة.
وتعيد المناخ الذي كان يضم الوطن كله في مشروع وطني وقومي واحد.. حين كانوا يبنون معا السد العالي، ويحاربون معا تحت راية العروبة، وينتصرون معاً في السويس وفي أكتوبر، ويحلمون معاً بالحرية والعدل والتقدم.
كاتب صحفي مصري