تصوروا أن تحتضن مدينة دبي مقر الأمم المتحدة، أي أن يتم نقل مقر الأمم المتحدة من نيويورك إلى دبي، هل يمكن أن يكون مثل هذا الأمر معقولاً؟ الإجابة بالطبع: نعم. لقد أثار النجاح الباهر الذي استطاعت دبي أن تحققه والنمو الكبير الذي شهدته في فترة وجيزة، إعجاب كل المتابعين الذين انبهروا بهذه المدينة، وكان آخرها الانبهار بافتتاح «برج خليفة» العملاق الذي أصبح بلا منازع، أطول برج في العالم.
دبي جعلت البعض يميل إلى فكرة ضرورة تحويل الأمم المتحدة إليها، لا سيما وأن الحديث عن نقل مقر المنظمة الدولية الأكبر في العالم، هو حديث مثار منذ فترة من الزمن، حيث كان الاتحاد السوفيتي يتحدث عن هذا الأمر منذ فترة الحرب الباردة بينه وبين الولايات المتحدة؛ لكن التركيز على مدينة واحدة بعينها لنقل المقر إليها، لم يكن واضحاً حتى مؤخراً، حيث بدأ الحديث من قبل البعض عن مدن مختلفة يرونها قادرة على استضافة مقر الأمم المتحدة.
فالرئيس الفنزويلي هوغو شافيز دعا أثناء قمة الجوع عام 2005، إلى نقل المقر إلى مدينة أخرى خارج الولايات المتحدة، باعتبار أن الولايات المتحدة لم تعد دولة محايدة ومحترمة لميثاق الأمم المتحدة، ولا تعمل على انجاز هدف الأمم المتحدة بالعمل على تحقيق الأمن والاستقرار العالميين، وذلك بسبب غزوها واحتلالها للعراق.
إلا أن دعوته هذه لم تحدد مدينة معينة كبديل عن نيويورك؛ لكن هذه الدعوة لقيت استحسان العديد من القادة، كان أكثرهم تأييدا الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد والزعيم الليبي معمر القذافي، اللذان تحدثا بذات لهجة شافيز، وطالبا الدول الأعضاء في المنظمة بضرورة العمل على نقل المقر إلى منطقة خارج الولايات المتحدة.
القدس، مونتريال، سنغافورة، كانت الأكثر تداولاً خلال الفترة السابقة كمدن لاستضافة المقر بدلاً من نيويورك؛ ولكن اليوم تبرز دبي كمدينة يتحدث عنها البعض لاستضافة مقر الأمم المتحدة، بل وأعلنت حكومتها عن استعدادها لاستضافة المقر، إذا ما فكرت الجمعية العامة للامم المتحدة بجد في نقل المقر من نيويورك، وهذا في حد ذاته مؤشر على جدية الأمر لدى الجانب الإماراتي.
دبي بما تتمتع به من موقع استراتيجي في قلب العالم، ستكون بحق أفضل الأماكن لوجستياً لربط العالم ببعضه البعض، فهي مدينة وسط بين آسيا وإفريقيا وأوروبا وأميركا.
بل دبي هي مدينة عالمية بكل معنى الكلمة، حيث إنها تحتضن شعوب العالم من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه؛ وهي مدينة متحضرة بكل معنى الكلمة، فبنيتها التحتية هي الأحدث في العالم، حيث شوارعها الشاسعة وتعدد مستويات فنادقها وتوفر المسكن الفاخر والمطارات العالمية المستوى ووسائل التسلية المختلفة، من محلات تجارية وملاعب رياضية وحدائق ترفيهية وخدمات صحية عالية الجودة ومدارس متنوعة، بالإضافة إلى ما تتمتع به من درجة عالية من الأمن والأمان، حيث لا توجد فيها جماعات إرهابية ناشطة ولا جريمة منظمة.
فكل هذه الأمور تجعل دبي أفضل الخيارات لاحتضان مقر يضم في عضويته مندوبين عن مائة وإحدى وتسعين دولة، بالإضافة إلى أكثر من 5000 موظف يمثلون الهيئة الإدارية للمنظمة الدولية الأكبر في العالم.
ولكن، هل هناك فرصة لدبي في مثل هذا الأمر؟ الأمر لا يبدو مستحيلاً؛ والحديث حول نقل المقر مستمر، لا سيما في ظل تراجع وضع المباني الحالية للامم المتحدة التي مر عليها أكثر من ستين سنة، وأصبحت تعاني من تردي بنيتها التحتية وتآكلها، وهو ما جعل الأمين العام السابق كوفي عنان يطالب بإعادة تأهيل مباني المنظمة الدولية، والذي وضعت له تكلفة تصل إلى ما يزيد عن 8 ,1 مليار دولار أميركي.
ولكن الكثيرين أصبحوا يتحدثون عن مدى جدوى صرف هذا المبلغ، وعن المدة الزمنية التي سيستغرقها لانجازه، في الوقت الذي توجد في دبي سعة لضم الأمم المتحدة بموظفيها من دون تأخير. لكن الموضوع لا يخلو من السياسة، فالولايات المتحدة أرادت للمنظمة الدولية أن تكون على أرضها منذ بداية نشأتها، حيث أن المنظمة هي في الأساس فكرة أميركية، ولا يتوقع من الولايات المتحدة أن تتنازل عنها، ولكن القرار ليس في يد الولايات المتحدة، وإن كانت تستطيع أن تضغط على العديد من دول العالم بضرورة عدم جدوى نقل المقر.
والحقيقة أن مكسب دبي هو أنها استحقت أن تحصل على هذا الاعتراف، وبروز اسم دبي كمدينة مرشحه لاستضافة مقر الأمم المتحدة، وإن لم يكن رسمياً فإنه اعتراف بقوة هذه المدينة ومكانتها.
ولكن دعونا نقول إنه إذا ما أصبح الأمر جديا، وبدأت دول المنظمة الدولية تفكر بشكل عملي في اتجاه البحث عن مدينة أخرى لاستضافة مقر الأمم المتحدة، فإن حظوظ دبي ستكون هي الأكبر، ليس فقط بفضل المزايا المذكورة سابقاً والتي تتمتع بها المدينة، وإنما أيضاً بفضل قدرة دولة الإمارات على الترويج السياسي لنفسها لدى دول العالم، والذي كان واضحاً في دبلوماسية الإمارات نحو استضافة مقر الوكالة الدولية للطاقة المتجددة.
حيث استطاعت الإمارات أن تقارع الكبار وأن تحصل بفضل دبلوماسيتها على دعم معظم دول العالم الأعضاء في الوكالة، لحقها في استضافة مقر الوكالة المعروفة اختصاراً بـ «أيرينا»، ولعل ما تفعله الإمارات اليوم من دعم عملي وواضح لإنجاح أيرينا، يعطي المثل الأبرز لقدرة الإمارات على أن لا تكون مجرد دولة عادية مستضيفة، وإنما دولة ساعية بجد وجهد نحو إنجاح الاستضافة بكل ما أوتيت من قدرات.
فلا تستغربوا أن تكون دبي في يوم من الأيام هي المقر الجديد للأمم المتحدة، فطموح الإمارات أكبر بكثير من ما تتخيله عقولنا.
جامعة الإمارات العربية المتحدة
