في مجتمع أفلاطون المثالي والفاضل، يرعى الملوك الفلاسفة والأوصياء النخبة، رعاع الشعب لإجبارهم على إطاعة الأوامر وتنفيذ الأمور السليمة. ولمنع العامة من ارتكاب أية أعمال سخيفة، يضطر الأوصياء الذين يمتلكون كل السلطة والحكمة، لاختلاق بعض «الأكاذيب النبيلة». وبالطبع فإن وكلاء السلطة هؤلاء يعفون أنفسهم من أحكام معظم القوانين التي يضعونها للآخرين.

نرى في هذه الأيام مثل هذا التفكير الأفلاطوني، في إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما ولدى مؤيديها. وتحاول حكومة التكنوقراطيين المؤلفة من المثقفين الأكاديميين، الذين لا توجد لديهم خبرة عملية خارج الحياة الأكاديمية والحكومة، إصدار تشريعات يرفضها معظم الناس، ومع ذلك قررت هذه الحكومة أنها ملائمة لهم وتصب في مصلحتهم.

لو أخذنا اقتراح أوباما المتعلق بالرعاية الصحية، فإن نسبة كبيرة من الأميركيين لا يثقون بالذين يديرون شبكة الخدمات البريدية، ولا يريدونهم أن يشرفوا على أوضاع ميزانية الرعاية الصحية، التي تعادل سدس ميزانية الاقتصاد الأميركي.

وعلى أي حال، فإن الرئيس الأميركي الملك الفيلسوف أوباما، يتحدث عن مقاومتنا الشديدة لقانون الرعاية الصحية، ويقول حرفياً: «أدرك.. ما سيحدث عندما ننجز ذلك القانون. وسيعلم الشعب الأميركي فجأة أن هذا القانون سيحقق أشياء تروق له».

وبالنسبة لسياسة الطاقة، فعلى النقيض من أوباما، يعتقد معظم الأميركيين أنه يتعين استغلال الغاز والنفط والمصادر النووية الأميركية بالكامل، حتى لا نتعرض للهلاك ونحن ننتظر نشوب ثورة الطاقة الشمسية والرياح.

وفي الواقع تظهر استطلاعات الرأي بشأن عدد من المسائل الرئيسية، أن معظم الأميركيين يختلفون مع جدول أوباما، الذي يشمل في البداية المزيد من الاستيلاء الفيدرالي على الشركات الخاصة، وعجزاً هائلاً في الإنفاق، وإصلاحات شاملة في شؤون الهجرة.

والسؤال المطروح هو: لماذا تثابر إدارة أوباما إذن على التمسك بهذا الجدول الذي لا يحظى بأية شعبية؟

ومثل نخبة أفلاطون التي تعلم بكل شيء، يبدو أن أوباما يشعر بأن كل الجهلة الذين يعرفهم، سوف يقدرون فجأة إرشاداته الخيرة بمجرد أن يتم إقرار هذه القوانين.

وقد روج كاتب الافتتاحيات الليبرالي توماس فرانك في وقت من الأوقات، لافتراضات مشابهة في كتابه «ما الذي أصاب كنساس؟». وجادل فرانك بأن الناخبين الأميركيين الجاهلين، لا يعرفون أين تكمن مصالحهم.

كما عكس كاتب الافتتاحيات في صحيفة «نيويورك تايمز» توماس فريدمان، وهو مؤيد آخر لأوباما، تفكير الملك الفيلسوف في مقالة كتبها مؤخراً، امتدح فيها دكتاتورية الصين المستنيرة بصورة لا تصدق.

وقال: «بعكس الفوضى السائدة في الديمقراطية الأميركية، فإن حفنة رجال أقوياء في الصين يمكنهم نطح السياسات الضرورية برؤوسهم، لكي يمضي المجتمع الصيني قدماً إلى القرن الحادي والعشرين».

يبدو أن أوباما قد اقنع نفسه الآن بأن وعده القديم بشأن الشفافية الجديدة، على وشك أن يمنح الشعب الأميركي ما يريده.

لقد نظم الرئيس الأميركي حملة ضد جماعات الضغط في الحكومة، لكن يبدو أن هناك حاجة الآن لمثل هؤلاء، لتسريع جدوله الذي يحمل عنوان «الأمل ـ التغيير».

وقد سخّف أوباما في وقت من الأوقات، فكرة جون ماكين بفرض الضرائب على ما وصفه ب«خطط الكاديلاك الصحية الفاخرة»، ووعد عوضاً عن ذلك بعدم فرض ضرائب على الذين يقل دخلهم السنوي عن 250 ألف دولار. كما وبخ الرئيس السابق جورج بوش على حماقته في دفع إصلاحات الضمان الاجتماعي، في الوقت الذي لم تتعد نسبة المؤيدين لها 35%.

ولكن قرر الملك الفيلسوف الآن، انه يحتاج في الواقع لفرض الضرائب على بعض خطط الرعاية الصحية الرئيسية، حتى لو كان ذلك يعني فرض أعباء إضافية على الأميركيين الذين يقل دخلهم عن 250 ألف دولار. وحتما لم يبال بممارسة الضغوط لإقرار التشريعات النبيلة، التي يعارضها معظم الشعب الأميركي.

وهناك تصريحات أخرى مشابهة في السابق، كتعهده بإغلاق معتقل غوانتانامو في غضون عام من بدء فترة حكمه، أو إعطاء موعد نهائي للإيرانيين لكي يوقفوا العمل في برنامجهم النووي. وهذه تدخل ضمن الأنواع النبيلة من الأكاذيب، وهي تظهر لنا على الأقل، نوايا الرئيس الأميركي الطيبة واهتمامه برفاهيتنا، حتى لو كان لا يستطيع متابعة ذلك.

وثمة سمة أخرى لهذه الإدارة، مشابهة لسمات ملوك المدينة الفاضلة النبلاء. فلا بد أن رجال نخبتنا الفاضلة، يمتلكون السلطة الكافية التي تعفيهم من أحكام قوانينهم. فالضرائب المرتفعة يجب أن تفرض على عدد كبير من الأميركيين، غير أن الوصي على الخزانة الأميركي تيموثي غيثنر يمكنه التدليس والغش قليلا بين الفينة والأخرى. والأمر نفسه ينطبق على رئيس لجنة الطرق والوسائل، الجمهوري تشارلز رانغل الذي يشرف على سنّ قانون الضرائب.

وثري «وول ستريت» هذا، يحقق أرباحاً طائلة، ويتنقل بطائرة نفاثة خاصة. ولكن يجوز لأوصيائنا الحكماء جمع التبرعات لحملة «وول ستريت» وركوب الطائرات الخاصة، إذا اضطروا لوضع الخطط اللازمة للأميركيين.

لكن ثمة فارقاً بين تفكير أفلاطون وجدول إدارة أوباما. فأفلاطون افترض على الأقل أن الملوك الفلاسفة كانوا من بنات أفكاره، وأن مدينته الفاضلة غير قابلة للتحقق. أما رئيسنا الموقر وأوصياؤه العصريون على العرش الأميركي، فعلى النقيض من ذلك، لم يكتشفوا ذلك الأمر بعد. ولكنهم ربما بدأوا يكتشفون صحته، عقب انتخابات ماساتسوشتس الأخيرة.

أستاذ الدراسات الكلاسيكية والتاريخية في جامعة ستانفورد

opinion@albayan.ae