«بعد عام على أوباما.. ما الذي تغير؟».. هذا السؤال الذي ارتفع على البوابات العالية في أحد شوارع مدينة عربية، والذي كان في بؤرة ارتكاز الصورة التي نشرتها «البيان» الأسبوع الماضي، لا يهم إن كانت غزة أو رام الله في قلب القضية، أو دمشق أو بيروت أو القاهرة أوعمان في محيط القضية، يبقى هو السؤال الذي تطرحه الشعوب العربية والإسلامية بصوت عال على امتداد الأرض العربية، بعدما أنعشت آمالها وعود أوباما بـ «التغيير» في خطاباته الأولي، سواء في واشنطن أو اسطمبول أو القاهرة.
كان التغيير المتوقع لدى الشعوب العربية والإسلامية التي خاطبها أوباما، هو تغيير الموقف الأميركي المنحاز على طول الخط وعلى مدى عمر القضية، إلى جانب الدولة الصهيونية على حساب الحق والعدل والسلام، وتفاءلت كثيرا ربما أكثر مما يجب، واستبشر العديد من الأقلام والسياسيين رغم تحذير الكثيرين، لكننا وجدنا أنفسنا بعد عام من الانتظار لم نجد في الكوب ماء، فلم يحدث من التغيير المأمول سوى الانتقال من «الأسوأ» في عهد بوش إلى «السيئ» في عهد أوباما!
ولا نستطيع أن نخفي على أنفسنا أن كل الأطراف الوطنية والعربية والدولية ذات العلاقة بالصراع في الشرق الأوسط، تعاني مأزقا لا تستطيع مواجهته بالحسم العسكري، ولا تستطيع حله بالمفاوضة السياسية وحدها ولا بالمقاومة الشعبية فقط، فيما لا يستطيع أي من هذه الأطراف المسؤولة عنه والمشتبكة به جغرافيا وتاريخيا وقانونيا وإنسانيا، تجاهل ذلك الصراع أو الخروج منه والانعزال بعيدا عن تداعياته، حتى لو أرادت.
أميركا الحليف الاستراتيجي لإسرائيل والتي تنفرد بالإمساك بملف القضية بما فيه من أوراق، ليس فقط بقبول بعض العرب بل بطلب بعضهم، تقف الآن في مأزق صعب بعد الفشل، فلا هي نجحت في الظهور بمظهر الوسيط النزيه، ولا هي راغبة ولا قادرة على الضغط على إسرائيل لوقف الاستيطان الصهيوني في الأراضي الفلسطينية المحتلة، لا طبقا لخارطة الطريق الأميركية في عهد بوش، ولا حتى لمطلب الإدارة الأميركية في عهد أوباما!
وبعدما فشلت المفاوضات الطويلة بين السلطة الفلسطينية وسلطات الاحتلال دون تحقيق أي شيء، سوى انجاز الانقسام الفلسطيني بوضع المفاوضين في مواجهة المقاومين، بدلا من الوضع الطبيعي بأن يكون المفاوضون مدعومين بالمقاومين في مواجهة الصهاينة المحتلين.
وبعدما ابتلعت أميركا وعودها، تراجعت هيلاري كلينتون مثلما تراجع ميتشيل عن سيرتهما الأولى، وعادا يرددان بل ويضغطان في اتجاه استئناف التفاوض دون وقف الاستيطان، لنعود من جديد إلى التفاوض بلا نهاية والتفاوض بلا نتيجة!
ومثلما أصبح كلا التيارين الفلسطينيين بعد الانقسام في مأزق، والنظام العربي المنقسم في مأزق، فإسرائيل أيضا في مأزق، فلا هي قادرة على الشعور بالأمن ولا هي قادرة على فرض الاستسلام.
كما هو حال أميركا أيضا، فلا هي قادرة على استمرار فرض الأمر الصهيوني الواقع بالقوة أو بالخداع السياسي، ولا هي قادرة على إنهاء مقاومة الشعب الفلسطيني والعربي والإسلامي للمشروع الصهيو أميركي في المنطقة، بعدما حاولت ذلك بالتعاون مع إسرائيل في العدوان على لبنان وفشلت، وبالعدوان على غزة وفشلت وأدانها الضمير الإنساني العالمي.
لكن هذا السؤال الذي يكشف المأزق الأميركي بين الشعارات والسياسات في عهد بوش، وبين الرئاسة والكونغرس في عهد أوباما، وإن كان هو السؤال الأخير، فليس هو السؤال الوحيد بما يكشف عنه من مآزق، فلقد بدا السؤال الأكثر طولا وعرضا من هذا السؤال هو.. «وبعد ستين عاما على مدى عمر القضية الفلسطينية.
ماذا فعلت الأمم المتحدة بقراراتها الدولية، سواء في مجلس الأمن أو في الجمعية العامة، بدءاً بقرار تقسيم فلسطين عام 47، ومرورا بقبول اغتصاب فلسطين عام 48، وانتهاءً بقرار حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم، وببقية القرارات الأممية اللاحقة منذ القرار 242 عام 67 الذي لا يجيز احتلال أراضي الغير بالقوة وحتى الآن.. ما الذي تغير؟!
كان التغيير المنتظر هو قيام مجلس الأمن بفرض قرارات «الشرعية الدولية» على الأرض، لو كان مجلس الأمن يحترم نفسه قبل أن يحترم الشرعية الدولية، وكان عليه إقامة الدولة الفلسطينية على حدود قرار التقسيم قبل الاعتراف الدولي بالدولة العبرية الغاصبة، حتى لو لم تقبل الأطراف العربية كما قيل! لكن ذلك لم يحدث حتى الآن.
على الرغم من إعلان الزعيم العربي جمال عبد الناصر القبول به في مؤتمر التضامن الأفريقي الآسيوي في «باندونغ» 1955، لكشف النزعة التوسعية الاستعمارية لإسرائيل، وكان المفروض إعادة اللاجئين الفلسطينيين المطرودين من وطنهم إلى حيفا ويافا ودير ياسين.
لكن الذي جرى هو احتلال إسرائيل، ليس فقط لكل فلسطين، بل أيضا لأراضي ثلاث دول عربية أخرى هي مصر وسوريا ولبنان بالقوة بعد عدوان 1967، ولم يحرم اللاجئون فقط من العودة إلى وطنهم، بل أضيف إليهم عشرات الآلاف الجدد من النازحين.
وتقوم سلطات الاحتلال بتهويد القدس والاعتداء على الأماكن المقدسة في المدينة لدى المسلمين والمسيحيين على السواء، كالمسجد الأقصى وكنيسة القيامة، وعلى مسمع ومرأى من العالم وبمباركة من الكونغرس الأميركي.
كما تقوم بالاستيلاء على مزيد من الأراضي الفلسطينية والعربية، بعمليات الضم والاستيطان والعدوان غير الشرعي بالقوة، في تحدّ لكل قرارات الشرعية الدولية، لتضع الأمم المتحدة كلها، وليست الولايات المتحدة فقط، مع فقدان المصداقية، في المأزق ذاته!
كاتب مصري