يمكن وصف تاريخ إسرائيل بأنه استمرارية لا تنقطع من الإعداد للحروب التالية، وحتى المراحل التي يبدو فيها أنه ليس هناك تصعيد عسكري إسرائيلي ضد العرب تشكل مرحلة مناورات وتدريب وإعادة تسلح تمهيدا للحرب، وذلك بحكم الطبيعة الاستيطانية والعنصرية لهذا الكيان. والمرحلة الراهنة ليست استثناء من هذه القاعدة، ومن غير المنطقي أن نتوقع أن تكون كذلك.

ومن شأن نظرة واحدة على التطورات الراهنة والمتوقعة في المستقبل القريب، في المنطقة، أن تكشف لنا عن ملامح خارطة الطريق التي تعدها إسرائيل للانطلاق نحو الحرب المقبلة: أولا ـ بعد أن ابرمت إسرائيل صفقات جديدة للحصول على المزيد من الغواصات الألمانية المتطورة، تستعد لتوقيع صفقة طائرات إف 35 المقاتلة الأميركية، المزودة بخواص تجنب الكشف الراداري، وأحدث برامج الحرب الإلكترونية ومعداتها، إلى جانب سعي إسرائيل إلى تطوير الروبوتات القتالية واستيرادها، لتقليص الخسائر المتوقعة في الأفراد، نسجا على منوال حلف «ناتو» الذي لديه الآن 33000 روبوت مقاتل.

ثانيا ـ بينما يبدو أن السياسة الخارجية الأميركية تتجه حاليا إلى التحفظ والحذر، وتعتمد في مواجهة إيران أسلوب فرض المزيد من العقوبات ويتوقع المراقبون أن يصب ذلك في كفة السماح بدور إسرائيلي أكبر في التصدي بالقوة للمشروع النووي الإيراني، الأمر الذي يجعل التركيز الإسرائيلي ينصب على الساحة التي يمكن أن يأتي منها الرد على القصف الإسرائيلي للمنشآت الإيرانية، جنوب لبنان وقوة حزب الله المتصاعدة.

ثالثا ـ يرتبط ذلك على الأرض بتطورين مهمين، أولهما عودة عمليات الاستطلاع الجوي الإسرائيلي المكثف للجنوب اللبناني، وانطلاق حملة إسرائيلية تستهدف قيادات حزب الله وكوادره المتقدمة، بما في ذلك العودة للطرود البريدية الناسفة.

رابعا ـ توالت سلسلة من تهديدات القيادات الإسرائيلية الموجهة ضد لبنان وحزب الله، وقد تصدر بنيامين نتانياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي هذه الحملة، وأعقبه وزير حربه إيهود باراك، الذي هدد برد كاسح على حزب الله، إذا شن أي هجوم يتهدد الهدوء السائد في الجنوب اللبناني، مشيرا إلى أن لدى إسرائيل موقفا متواصلا من سوريا، وهو اعتبارها تهديدا بالحرب وفرصة للسلام في آن، على حين كان الوزير بلا حقيبة يوسي بيلد أكثر وضوحا ،عندما قال: «إننا نتجه إلى مواجهة جديدة في الشمال».

خامسا ـ هذه الحرب التي تعد لها إسرائيل تأتي على خلفية من الوصول إلى طريق مسدود على المسار الفلسطيني الإسرائيلي، بفعل استمرار إسرائيل في بناء المستوطنات واشتراطها أن يكون لها وجود عسكري في وادي الأردن، أي على أراضي الدولة الفلسطينية المقترحة في إطار مفهوم دولتين لشعبين، وفي الوقت نفسه تأتي في إطار وصول المسار السوري الإسرائيلي إلى طريق مسدود، في ضوء إدراك صانع القرار السوري عدم جدية المفاوض الإسرائيلي.

من المحقق أن بوسعنا أن نمضي طويلا في إضافة المزيد من التضاريس إلى خارطة الطريق تلك، التي تنطلق إسرائيل عبرها إلى الحرب المقبلة التي تعد لها، لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: أين الإرادة السياسية العربية في مواجهة هذا كله؟

لأول وهلة، يبدو أن صانعي السياسات العربية في حالة أقرب إلى الانتظار، بمعنى أن حدوث الانفجار الكبير يكون إشارة البدء نحو سلسلة من ردود الأفعال، وهو سيناريو سبق أن أذهل الكثير من المراقبين لدى حدوثه في حرب صيف 2006، عندما كان الشارع العربي هو المبادر للحركة والانطلاق بعفوي حيال ما يجري. فهل نتوقع أن يتكرر هذا السيناريو مجددا لدى نشوب الحرب التي تعد لها إسرائيل ؟

دعنا نتذكر أن جنرالات إسرائيل لم يعتبروا من الأسرار نظرتهم إلى حرب صيف 2006 باعتبارها حربا حملت هزيمة مدوية لآلتهم الحربية، ومن ثم لم يترددوا في التعبير عن تطلعهم إلى الانتقام من مقاتلي حزب الله والسعي إلى اكتساحهم من وضعيتهم كرقم صعب في معادلة أوضاع المنطقة.

بالمقابل فإن حزب الله كثف استعداداته للتصدي لما هو آت، وأكد على لسان أمينه العام الشيخ حسن نصر الله أن مناضليه سيقومون في الصدام المقبل بتغيير وجه منطقة الشرق الأوسط، وهو أمر يمكننا تفهم جانبا من أبعاده، إذا أدركنا أن بعض جنرالات إسرائيل يتوقعون أن يكون شمال فلسطين هو ساحة القتال المنتظرة.

من هنا فإننا نتوقع من العواصم العربية حركة نشطة، على الصعيدين الميداني والدبلوماسي.

على الصعيد الثاني، نتوقع حركة عربية فاعلة ومؤثرة، على امتداد العالم، تستبق الأحداث، وتشكلها، وتوجه مسيرتها، وتقطع الطريق على الأهداف التدميرية التي تتوخاها إسرائيل، حركة تجد سبيلا لحوار مع واشنطن وقنوات عمل مع موسكو وبكين وأوروبا، وكل العواصم التي يمكن أن تؤثر في حملة مضادة للعدوان الإسرائيلي المتوقع.

مع أهمية هذا كله، فإن العمل الحقيقي ينبغي أن يكون على الأرض العربية، وبالتنسيق بين العواصم العربية، على نحو يكفل إيصال رسالة واضحة إلى القيادات الإسرائيلية التي تعد للحرب المقبلة: إن من يطلق العنان للحرب يمكنه أن يضمن اندلاعها، لكنه لا يمكن أن يضمن نهايتها ولا طبيعة نتائجها.

kamel@albayan.ae