دائما هناك ثمة مساحة لإشراقة أمل، حتى وان ادلهمت الخطوب وبلغ الحال مبلغا لا رؤية فيه لبارقة انفراج ولا لفرح عابر بين أزقة الضيق، وهي متاهات الأيام التي لا تترك شاردة ولا واردة إلا وصبت فيها حينا من الزمن الهموم التي تنوء به راسيات الجبال، خاصة عندما تستسلم الإرادة لهذا الهزيع الأخير من ليل يمتد على النفس وشاحا مكللا بالسواد والعتمة.
عندما يتمطى الإحباط فيأخذ بالتلابيب، ويكاد ينهك الحاضر والغائب من ملمس الجسد ومن خلجات الفكر حتى تكاد أن تبلغ القلوب الحناجر من قلة حيلة وانسداد أفق، تأتي زاوية البصيرة المؤمنة لكي تحدث فجوة من بصيص نور يبدو أنه خافت، لكنه ثابت بأن الفرج يقع على مسافة نكاد أن نلمسها بأيدينا ونخاطبها كأنها بشر سوى إذا ما زرعنا الابتسامات على الوجوه المشرقة بثبات الصدق والحق، مع أمنيات نزرعها بتفاؤل القادرين على رعاية البذرة والاهتمام بها وتوفير أسباب حفظها من أوبئة ضارة لكي نحصدها في غد قريب.
دائما استحضر في الخلوات وعندما يغيب الفضاء الفسيح عن ناظري أبيات الشاعر الحكيم
أعلل النفس بالآمال أرقبها
ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل
وهي مهمة تبدو صعبة على من أسلم نفسه للآخرين، وانتظر منهم فرجا هو أشبه بالفجر الكاذب، في حين أن الاختيار منوط بالفرد بداية وهو من يتحمل مسؤولية ما يقرر تجاه روحه التي تختلج جسده، فإما أن يسلمها لنواح الثكالى بقرعه المستمر على نقاط الإعياء.
وإما القفز بتؤدة لا تخلو من احتراف على كل الجراح الظاهرة والباطنة وفي اتجاه واحد لا ثاني له متمثلا في القناعة بأن الفرح والأمل والرضا والسعادة إنما هي مترادفات تحتاج إلى قرار متمكن لكي تتحول إلى ممارسة حياتية لها كل تفاصيل الجسد من يد تصافح ورجل تسعى وأذن تطرب وشفاه تغني وفوق ذلك قلب خافق بحب الحياة.
من صور الاتساق مع الكون امتشاق سيف التفاؤل الدائم لنواجه به رياح السموم المحملة بالتشاؤم في يوم غبار أزماته يغبش العيون المبصرة، فلا ثمة وسيلة غير المزيد من الدفع في اتجاه تغيير الحال إلى الأفضل دون ركون إلى التباس لا طائل منه غير الاستسلام لمرادفات الإحباط واليأس، وما أبشع ذاك الذي تشبع تشاؤما حتى عبر عنه شعرا متباكيا على مسيره العاثر
إن حظي كدقيق فوق شوك نثروه
ثم قالوا لحفاة يوم ريح اجمعوه
وما أصعب المآل عندما نسلم النفس للحظ العاثر يلعب فيه شرقا وغربا، ولا نملك حينها إلا لطم الخدود.
إياكم أيها الرائعون أن تقبلوا بإطفاء شمعة الأمل مهما ادلهمت الخطوب.
