«هناك أوقات أجد فيها التقدم بطيئا جدا، كما أن هناك أوقاتا يبدو لي فيها أن كل هذه الجهود لا طائل منها»، هذا ما صرح به الرئيس الأميركي باراك أوباما، بعد مرور سنة على توليه الحكم في أكبر وأقوى دولة في العالم. فبعد مضي سنة على تدبير شؤون البيت الأبيض، وبعد المحاولة الفاشلة للشاب النيجيري لتفجير طائرة «نورث وست إيرلاينز» المتجهة من أمستردام إلى ديترويت في الخامس والعشرين من ديسمبر المنصرم.
تهاطل العديد من الانتقادات في الأوساط السياسية والإعلامية والدبلوماسية لأداء الرئيس أوباما، خاصة ما يتعلق بأسلوب تعامل أميركا مع الإرهاب وملفات أخرى ذات أهمية كبيرة، وكذلك فشل الرئيس الجديد في تجسيد وعوده الانتخابية على أرض الواقع.
اعترف أوباما عندما استلم مقاليد الرئاسة، أن هناك أخطاء ارتكبت في حق المسلمين، وأن الحرب على الإرهاب يجب إيقافها، كما يجب غلق غوانتنامو وإعادة النظر في محاربة الإرهاب والتعامل مع الإرهابيين. كما اعترف بأن أميركا ارتكبت أخطاء في الماضي يجب عدم الاستمرار فيها، وإنما فتح أبواب الحوار والنقاش لإيجاد سبل مشتركة للتعاون والتفاهم.
كما أعلن أن ملاحقة المنظمات الإرهابية يجب أن تكون وفق القانون، وأن تلتزم بالإجراءات المعمول بها دوليا.
أما بالنسبة لقضية السلام في الشرق الأوسط والصراع العربي الإسرائيلي، فاقترح أوباما ضرورة النظر إلى المشكلة في إطار كلي وشامل، وضرورة تطبيق حل الدولتين، كما أكد قبل سنة على ضرورة الوفاء بالوعود التي قدمها في حملته الانتخابية، بتعيينه السناتور الأميركي السابق جورج ميتشل مبعوثا للسلام في الشرق الأوسط.
أما بالنسبة لإيران، فنلاحظ أن أوباما قدم تنازلات كثيرة، وهو يستعمل حاليا كل الوسائل والطرق الدبلوماسية، للاستماع إلى المسؤولين الإيرانيين واقتراحاتهم لفتح قنوات جديدة للحوار والتفاهم. كما أبدت الإدارة الأميركية الجديدة اهتماما بالغا بقضايا الشرق الأوسط والعلاقة مع العالم الإسلامي، وهذا ما نجم عن مقاربة جديدة للتعامل مع مشاكل العرب والمسلمين.
كما يؤمن الرئيس أوباما بأن المشاكل والنزاعات والأزمات وعدم الاستقرار، تعود بالدرجة الأولى إلى الأخطاء التي ارتكبتها أميركا في المنطقة، والفشل الكبير في القرارات وطرق التعامل ومعالجة المشاكل العديدة وعلى رأسها الإرهاب.
المصلحة المشتركة بين أميركا والعالم الإسلامي، تتمثل بالدرجة الأولى في استتباب الأمن والأمان والسلام والاستقرار والرفاهية، وهذا من خلال تسوية القضية الفلسطينية ومحاربة ظاهرة الإرهاب والقضاء عليها. وهذا يعني عملا كبيرا وجادا، في تحديد المفاهيم والمصطلحات والرؤى والاستراتيجيات.
والبداية هنا تتمثل في تحديد مفهوم الإرهاب وتنقيته من كل الالتباسات والصور النمطية، والمفاهيم الخاطئة التي تربط الإرهاب بالإسلام وتجعل الدين الإسلامي والمسلم على علاقة مباشرة مع الإرهاب. من جهة أخرى يجب الاتفاق على استراتيجيات وطرق وسبل معالجة الإرهاب الدولي، الذي يعود بعض أسبابه إلى النظام الدولي غير العادل والمجحف في حقوق الدول النامية.
التي عانت في الماضي من ويلات الاستعمار والتي تعاني اليوم من سلطة الآليات السياسية والاقتصادية الدولية الجائرة، وخير دليل على ذلك الأزمة الاقتصادية العالمية التي تعيشها البشرية جمعاء هذه الأيام. الاحترام المتبادل يجب أن يبنى كذلك على تحديد مفاهيم عديدة، كالديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية التعبير وحرية الصحافة... الخ.
فالديمقراطية التي تُفرض من الخارج وعلى ظهور الدبابات، كما هو الحال في العراق وأفغانستان وباكستان ودول عديدة أخرى، لا يُكتب لها النجاح وتخرج عن أبجديات احترام الآخر. والكيل بمكيالين في موضوع حقوق الإنسان والحريات الفردية، لا يخدم احترام الآخر ولا المصلحة المشتركة.
دخل أوباما التاريخ بتوليه رئاسة أعظم دولة في العالم، وهو أول رئيس من أصل إفريقي يصل إلى البيت الأبيض، وبإمكانه إن أراد أن يسجل اسمه في كتب التاريخ، من خلال تجاوز مرحلة التربع على كرسي الرئاسة إلى مرحلة تغيير التاريخ، بإعادة النظر في العلاقات السياسية والاقتصادية الدولية، وفي نصرة القضايا العادلة في العالم وعلى رأسها القضية الفلسطينية.
والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا المقام؛ هل الرئيس الأميركي حر في قراراته أم هناك اعتبارات أخرى تحول دون ذلك؟ فاقتراح أوباما بخصوص المشكلة الفلسطينية، بحل الدولتين، على سبيل المثال، رد عليه جيلاد إيردان بأن «إسرائيل لا تأخذ أوامر من الرئيس أوباما». فهل يستطيع أوباما تحويل أقواله إلى أفعال على أرض الواقع؟ الأمر ليس بالبساطة التي يتصورها البعض.
وتصريحات الرئيس أوباما الأخيرة، تشير إلى أن واقع العلاقات العامة السياسية والتسويق السياسي في الحملات الانتخابية شيء، وكواليس السياسة وصناعة القرارات شيء اخر. أمور كثيرة جدا وعد أوباما بتحقيقها، لكنها بقيت حبيسة أدراج مكاتب البيت الأبيض. فحرب العراق ما زالت مشتعلة، والأمور زادت سوءا في أفغانستان وباكستان، وكذلك الوضع في فلسطين والعلاقات مع إيران.
أما بالنسبة للإرهاب فحدث ولا حرج، فالأمر لم يختلف عما كان عليه في عهدة بوش.
محاولة الشاب النيجيري عمر فاروق عبد المطلب، ما هي إلا مؤشر من مؤشرات إخفاقات الإدارة الأميركية الجديدة في التعامل مع الإرهاب، حيث أنها تركت تأثيرا واضحا على السلوك الأميركي وارتباكا كبيرا لم يكن له مثيل منذ الحادي عشر من سبتمبر، فقد أدت إلى حالة استنفار واسعة، وأجبرت الرئيس أوباما على قطع إجازته في هاواي لطمأنة الرأ ي العام الأميركي.
رد فعل أوباما تمثل في انتهاج سياسة جديدة أكثر صرامة وشدة في ما يتعلق بالمسافرين إلى أميركا، والتركيز على محاربة الإرهاب والاهتمام أكثر باليمن، إلى جانب أفغانستان وباكستان.
ففي الفترة الأخيرة أصبح اليمن مرشحا، حسب الخبراء والاختصاصيين، ليصبح قاعدة الانطلاق الجديدة لتنظيم القاعدة. فالحكومة اليمنية أصبحت تعاني نوعا من الإرهاق في التعامل مع الإرهاب، نظرا للمعارك الأهلية في الشمال والجنوب، ونظرا للظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها، كما تعاني من صعوبة التحكم والسيطرة على المساحات الشاسعة داخل البلد، وكذلك على حدودها الطويلة التي يسهل التسلل عبرها، وهو ما يسهل مهمة تنظيم القاعدة في الانتشار.
كما أن انتشار الفقر والفساد والبطالة وتجارة السلاح، كلها عوامل تشجع على تسلل تنظيم القاعدة وانتشاره في اليمن، والتعامل معه كحليف يساعد في تغيير أوضاع اليمنيين. وعلى قول أوباما نفسه، فإن هناك جهودا كثيرة لا طائل منها.
عميد كلية الاتصال، جامعة الشارقة
