عند ما جاء باراك أوباما للحكم كانت التوقعات كبيرة، بل كانت الآمال المنعقدة عليه متجاوزة لحدود الممكن والمعقول. كان مجيء أوباما لرئاسة الولايات المتحدة الأميركية حدثاً مُهماً، بعد سنوات ثمان شوهت فيها الإدارة الأميركية السابقة صورة الحلم الأميركي في الداخل، وبدت رسالتها في الحرب هي الرسالة الأكثر إلحاحاً عن دورها في السلام.
لا أخالف من يقول ان انتخاب أوباما في حد ذاته قد مثل تغييراً في المشهد السياسي الأميركي، فمجيئه رئيساً أسود يمثل ثورة على تقليد احتكار البيض لكرسي الرئاسة فيها، كما أن انتخابه قد مثل كسراً لمقولة ان لا يأتي إلا أنجلوسكسوني مسيحي للحكم. لقد مثل دخوله البيت الأبيض ثورة على تقاليد الدولة الأميركية.
فأن يأتي ابن مهاجر إفريقي مسلم ليحكم أميركا، حالة لم تخطر في التفكير الأميركي، وهو في هذا ثورة مهمة في التوجهات الانتخابية الأميركية، بل إن كثافة التصويت له برهنت في حينها على حالة التحول هذه، وهو تحول أصاب الناخب لكنه لم يصب نمط الإدارة ومدخلات صناعة القرار فيها، وهو تغير وقتي قد لا يدوم كثيراً، رغم ما يتمتع به أوباما من صفات كارزمية أخاذة.
لقد جاء أوباما لكرسي الرئاسة وهو يحمل مجموعة من الأفكار غير التقليدية في علاقات الداخل والخارج، ورغب هو وفريقه الاستشاري في تحسين صورة الولايات المتحدة الأميركية، إدراكاً لدورها الذي قد تكون حتمية تناقصه لا راد لها.
لقد خاطب الرئيس أوباما منطقتنا العربية والإسلامية ثلاث مرات برغبة في التغيير، وهو بهذا حاول فتح ثلاث من القنوات الحوارية، بدأها بتركيا التي باتت تستعيد جزءاً من محوريتها في المنطقة، وللثقل السياسي الجديد الذي باتت تحظى به مع حزب العدالة والتنمية الإسلامي.
فمواقف تركيا الجديدة من الولايات المتحدة الأميركية وتحديداً من إسرائيل، أصبحت تكسبها مواقع مؤثرة ومهمة في المنطقة، وباتت الدولة التي يلجأ إليها العرب ولربما يثقون بها لحل بعض من عقد التواصل مع إسرائيل. بل إنهم قد باتوا يلجأون إليها لحل بعض من معضلات علاقاتهم ببعضهم! وهي الدولة الوحيدة في المنطقة التي تتمتع بعلاقة لا يعكرها أمر، مع المعسكرين الرئيسيين في المنطقة العربية: معسكر «الممانعة» العربية ومعسكر «الاعتدال» العربي.
بل إنها الدولة الوحيدة التي تجمعها علاقات وطيدة بكل أطراف المنطقة المختلفين.
وجاء أوباما مرة أخرى وخاطب العرب في عاصمة العرب، عاصمة المعز، وكان خطابه خطاباً عاطفياً وأخاذاً. حلمنا معه لبرهة بأن سلاماً حقيقياً قادم لا ريب فيه، وأن وقفاً للسلوك المتجبر لإسرائيل هو في الطريق.. إلا أن شهوراً قد مضت، ولربما قد تمضي سنون ويبقى الكلام أحلاماً بعيدة التحقق، في ظل غياب القدرة الضغطية وربما الرغبة القوية في إحداث ذلك.
وهي قدرة ورغبة قد لا تعكسها أحلام أوباما وإن رغب، وإنما تعكسها حقيقة السياسة الأميركية وصانعيها في الداخل الأميركي. هذه الصناعة التي يغيب عنها العرب ويضعفون، ويقوى فيها الطرف الإسرائيلي ويتمرد.
وقد جاء أوباما بخطاب متلفز ليحل علاقة شائكة ربطت أميركا بإيران في العقود الثلاثة الماضية. وأعتقد أن اختيار مناسبة عيد النيروز الإيراني ليطلق أوباما مبادرة نحو إيران، كان اختياراً ذكياً خص فيه إيران دون غيرها من الدول الإسلامية، إلا أن هذا الإطلاق لم تواكبه مبادرات على أرض الواقع من الطرف الأميركي، الذي أبطأ أو عطل اندفاعته حجم الضغوطات التي قد يكون تعرض لها من بعض الحلفاء وبصورة أخص من إسرائيل، وهي عقدة ستظل مستعصية على الحل، إذا لم تكن هناك مبادرة أميركية تكسر حالة التوجس والخوف من الآخر.
كذلك لم تستطع الولايات المتحدة أن تتجاوز في علاقتها مع سوريا عقدة صغيرة الحجم، مقارنة بحجم العقدة في الحالة الإيرانية. فالرغبة الكلامية لا تغير الواقع، وإنما الأفعال الجريئة.
وهذه، في جلها، عقد لا يبدو أوباما كفرد أو أفكاره الشخصية أو أفكار فريقه الاستشاري، قادرة على حلها حتى الآن، رغم التغير المهم في لغة الخطاب، لكنه بقي خطاباً لم يلامس الأرض!
كاتب بحريني