«أوباما في وضع صعب»، «أوباما المتعثّر»، «أوباما يواجه الفشل»، هذه هي بعض عينات العناوين التي نشرتها الصحافة الفرنسية في الفترة الأخيرة. وذلك في سياق سلسلة طويلة من التحليلات ومقالات الرأي، التي تأتي بمناسبة نهاية السنة الأولى للإدارة الأميركية الحالية، وتصبّ كلها في خانة الحديث عن أوباما «المحصور في الزاوية الضيّقة».

قبل عام كانت اللهجة مغايرة تماماً للهجة اليوم.. مناقضة لها. كان الحديث السائد في فرنسا آنذاك، هو التغنّي ب«مناقب أوباما» ـ الأوبامانيا، أو التغنّي بحب أوباما ـ وب«الفجر الجديد الذي كان يطلّ على العلاقات الدولية». ذلك القاموس أخلى المكان اليوم للتفتيش عن «مسالب أوباما»، ونعته بأوصاف من نوع «المفرط في تحفّظه» و«المتعالي» و«المبهم» و«القابع في برجه العاجي بعيداً عن واقع العالم»، وعشرات النعوت الأخرى.

لكن لا تزال نادرة جداً الأصوات التي «تترحّم» على عهد جورج دبليو بوش.

الميل السائد في الإعلام الفرنسي اليوم ـ قد يتغيّر غداً إذا تغيّر اتجاه الرياح السياسية ـ هو التقليل من محصلة عمل السنة الأولى لإدارة باراك أوباما، بل ووصفها غالباً بأنها محصّلة شديدة التواضع. وإذا كانت تتردد الإشارة إلى بعض الأسباب المخففة، وفي مقدمتها «ورطة» الحرب العراقية وضراوة الأزمة المالية والاقتصادية العالمية، فإن الأغلبية الساحقة من التعليقات ترفض تحميل مسؤولية «الفشل» إلى إرث الإدارة السابقة. صفة الفشل يعبّر البعض عنها صراحة والآخرون مواربة.

الملفت للانتباه أن الكثير من المعلّقين الفرنسيين، يقدّمون الصعوبات التي يواجهها أوباما اليوم وكأنها نتائج نهائية لإدارته، بينما يؤكّدون أنه لا يزال هناك متسع من الوقت أمام الرئيس ساركوزي لتحقيق برامجه، رغم أنه لم يبق له سوى عامين ونصف، بينما لا تزال أمام أوباما ثلاث سنوات كاملة! وكان قد أعطى لنفسه أربع سنوات من أجل النجاح، وبالتالي من المبكّر إصدار أحكام نهائية.

لا شك أنه من التسرّع إصدار أحكام قاطعة و«سلبية» في فرنسا وغيرها، على محصّلة العام الأول لأوباما في البيت الأبيض. ويسجّل له أنه «فتح» خلاله ملفات «ثقيلة» وعديدة مرّة واحدة، خارجية وداخلية.

وليس أقلّها مسألة الانسحاب من العراق والملف الفلسطيني، رغم المسار التراجعي الذي يعرفه الجميع، وما أثاره من خيبة أمل لدى العالم العربي والإسلامي، بعد الآمال التي كان قد بعثها انتخابه، ثمّ خطابه الشهير في القاهرة يوم 4 يونيو 2009. ثم الملف النووي الإيراني، وملف «المعركة» مع البنوك، والملف «المزمن» المتعلّق بنظام الضمان الصحّي في أميركا.

إن بارك أوباما هو الرئيس الأميركي الوحيد الذي تجرأ واقعياً على فتح هذه الملفات كلّها. وبالتأكيد لم يكن يغيب عن ذهنه أنه سوف يواجه «الجبهة» التي تجمع كل أولئك الذين منعوا تحريكها «تاريخياً» في اتجاه يخالف إرادتهم وولاءهم. لقد فهم أوباما، كما يبدو، أن لا شيء يسمح بتقدّم مسار السلام في الشرق الأوسط، الذي أعلنه أحد أولوياته، إلاّ إذا مارست واشنطن ضغطاً حقيقياً على إسرائيل، أو لوّحت على الأقل بممارسته.

لقد أقدم ثمّ أحجم. فهل قال كلمته الأخيرة؟

يتفق الجميع أن أوباما يواجه اليوم الكثير من الصعوبات لتحقيق «التغيير» الذي جرى انتخابه تحت عنوانه العريض. وكان قد أثار الزوابع لمجرّد «البوح» بما كان من المحظور الخوض فيه، وخاصّة في ما يتعلّق بالملف الفلسطيني على صعيد السياسة الخارجية، ومحاولة فرض بعض القيود على نشاطات البنوك في دهاليز «وول ستريت» وغيرها من بورصات العالم، على الصعيد الداخلي.

فتح هذين الملفين خاصّة، أثار ضد أوباما الصهاينة والمتصهينين المؤيدين لإسرائيل بلا تحفّظ، وهم كُثر، وأثار أرباب عالم البنوك والمال الذين يستفيدون، أو يأملون الاستفادة، من قواعد اللعبة المطبّقة في النظام المالي العالمي السائد. ولا يخفى على أحد مدى التداخل بين هؤلاء وأولئك، وليس التداخل في الولايات المتحدة وحدها، بل على الصعيد الغربي عامّة.

ولا يخفى على أحد أيضاً مدى سيطرة مؤيدي إسرائيل على وسائل الإعلام في أميركا وأوروبا عامّة، وتواجدهم القوي في منظومة عالم المال.

في مثل هذا السياق تغدو الحملات «المنسّقة» في أميركا وفرنسا على أوباما «مفهومة»، وتغدو «مفهومة أكثر» عند معرفة واقع الودّ المقطوع بين الرئيس باراك أوباما والرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، وما ظهر من «جفاء» بينهما أثناء قمة كوبنهاغن الأخيرة حول المناخ.

أوباما يواجه صعوبات حقيقية بعد عام من انتخابه، ولا يبدو أن انتخابات الكونغرس في خريف 2010 سوف تسهّل مهمته. لكن لا تزال أمامه سنوات ثلاث، ولا شيء يسمح بالتأكيد انه قال كلمته الأخيرة حيال العديد من الملفات الحسّاسة، في هذا الاتجاه أو ذاك.

كاتب سوري ـ باريس

mohaklouf@yahoo.fr