كما كان متوقعاً، لم تسفر الجولة الجديدة للمبعوث الأمريكي للمنطقة السيناتور جورج ميتشل، عن أي نتائج ايجابية تذكر، بل ترافقت مع ازدياد حدة الصوت الإسرائيلي المتمسك بعمليات الاستيطان والتهويد في منطقة القدس وعموم الضفة الغربية المحتلة، وترافق معها الحديث عن ضغوط أمريكية مباشرة على السلطة الفلسطينية، لجرها إلى طاولة المفاوضات والتنازل عن مطلب وقف الاستيطان الذي يتمسك به الرئيس محمود عباس كأمر لا بد منه قبل استئناف المفاوضات.
وترافقت الضغوط الأمريكية إياها مع التصريح الذي أطلقه الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز، الذي «حذر» الرئيس عباس من مواصلة رفضه العودة إلى المفاوضات.
ولكن الأخطر من كل ذلك، أن عمليات التهويد التي رفض ميتشل التطرق إليها في زيارته الأخيرة بشكل فعلي ومحدد، توسعت من محيط القدس إلى قلب الأحياء العربية داخل حدود المدينة القديمة، وباتت تهدد المسجد الأقصى برمته، نتيجة الحفريات التي طالت محيطه وامتدت تحت الأرض من كافة الجوانب القريبة منه.
وصولاً إلى حي وادي حلوة في منطقة سلوان الواقعة جنوبي المسجد الأقصى، حيث حدثت سلسلة متتابعة من الانهيارات، ومنها الانهيار الأرضي الجديد في منطقة وادي حلوة، نتيجة الحفريات الإسرائيلية المستمرة، فأحدث حفرة كبيرة بطول أربعة أمتار وعرض ثلاثة أمتار ونحو مترين فوق نفق تحفره إسرائيل في المنطقة.
والانهيار المشار إليه ليس الأول من نوعه، فقد سبقته سلسلة من التشققات والتصدعات والانهيارات الجزئية في المنطقة ذاتها، وهو ما أشارت إليه وحذر منه العديد من المؤسسات المقدسية الفلسطينية.
فالانهيار الأخير جاء بفعل شبكة الأنفاق التي أقامتها إسرائيل هناك وفي مناطق مختلفة من القدس، وخاصة قرب وأسفل المسجد الأقصى، وهي حفريات وأنفاق أصبحت تشكل خطراً حقيقياًّ محدقاً يتهدد المسجد الأقصى وأروقته وجدرانه، كما أنها تشكل خطراً على منازل المواطنين الفلسطينيين الموجودة في تلك المنطقة، وقد أصبح المسجد الأقصى يعاني من تشققات وتصدعات خطيرة في جدرانه تنذر بسقوطه، إضافة إلى المئات من العقارات والمنازل الفلسطينية المجاورة له.
وفي هذا الإطار، تشير المعلومات الفلسطينية الموثوقة والمستندة إلى الوقائع الجارية على الأرض في الداخل الفلسطيني وفي منطقة القدس، إلى وجود مخطط لبلدية الاحتلال في القدس لإقامة مشروع تهويدي إجلائي، يهدف إلى مصادرة 70% من أراضي وادي حلوة في منطقة سلوان جنوب المسجد الأقصى مباشرة، علماً أن مساحة أراضي وادي حلوة تبلغ 5,548 دونماً، منها 7,18% مناطق سكنية تشمل بيوت المواطنين الفلسطينيين.
ومن المعلوم أن سلطات الاحتلال تعمل منذ فترة على استملاك أراضي منطقة سلوان بأي طريقة، بما في ذلك الاستيلاء المباشر بالقوة، وطرد أبنائها خارج الحدود الإدارية لمنطقة القدس في اتجاه مناطق الضفة الغربية المعزولة عن إطار القدس ومحيطها، والمباشرة ببناء مشروع كبير يهدف الى تغيير المعالم الديمغرافية (الجغرافية والسكانية) في مناطق جنوب المسجد الأقصى وتهويدها بالكامل،
بما فيها حي سلوان .
وإقامة ما يسمى «المشرو ع السياحي الكبير» على حساب المواطنين الفلسطينيين، بما في ذلك قضم البيوت القديمة في وادي حلوة من قبل ما يسمى «سلطة الطبيعة»، وإحداث نفق يمتد من باب المغاربة في قلب القدس القديمة الى وادي حلوة وبالعكس، تحت عنوان «نفق للسياحة» (حتى لا يرى السائح عرباً، حسب مصادر بلدية الاحتلال)، وكذلك إقامة درج كهربائي أو قطار هوائي، من عين سلوان إلى ما يسمى «مدينة داود» (أي وسط المدينة المحتلة) وبناء كنيس يهودي.. وهكذا يصبح نحو 70% من أراضي وادي حلوة في حي سلوان، أرضاً مصادرة من قبل سلطات الاحتلال.
وفي السياق ذاته، يذكر العديد من التقارير والمعلومات الصادرة عن المراكز الفلسطينية المختصة والمتابعة، أن حكومة الاحتلال تسعى لتوسيع مستعمرة «معاليه أدوميم»، وهي كبرى المستعمرات المقامة في الضفة الغربية وتحديداً حول القدس، بهدف تكريس الاستيطان والإمعان في تقطيع أوصال الضفة الغربية، وفصل كافة مناطقها عن محيط مدينة القدس بأسوار وكتل المستعمرة المذكورة.
فالمستعمرة المشار إليها تحمل وظيفة أساسية منذ إنشائها، لتقطيع التواصل الجغرافي بين وسط الضفة الغربية وجنوبها، وللحؤول دون إقامة دولة فلسطينية بتواصل جغرافي في المستقبل، وهو ما يؤكده مسار مخطط الجدار الفاصل حول مستعمرة «معاليه أدوميم»، الذي يضم فعلياً إلى دولة الاحتلال منطقة كبيرة تصل إلى حوالي 26 ألف دونم من مناطق شمال وسط الضفة الغربية، ومن ضمنها «معاليه أدوميم»، والمنطقة الصناعية في مستعمرة «جيلو»، وست مستعمرات صغيرة حولها، ابتلعت مساحات كبيرة من بلدات العيزرية وأبو ديس وعناتا والسواحرة الشرقية من قضاء القدس المحتل عام 1967.
من جانب آخر، وفي إطار زيارة ميتشل للمنطقة، فإن مؤشرات الخطوات الميدانية التي تتخذها حكومة نتنياهو بالنسبة لباقي المسارات التفاوضية، تسير في اتجاه معاكس للرغبة المعلنة من واشنطن لدفع عملية التسوية، ومن تلك المؤشرات قيام «المجلس الإقليمي للمستوطنات الإسرائيلية» في هضبة الجولان السورية المحتلة، بحملته السنوية لتشجيع المستوطنين اليهود على السكن في المستوطنات الإسرائيلية هناك، في وقت أعلن عن مصادقته على توسيع مسطحات البناء لعشرين مستعمرة مقامة فوق الأراضي السورية المحتلة، وعرض مئات المنازل في المستعمرات على المستوطنين اليهود تحت سلة إغراءات واسعة لدفعهم للقدوم والسكن فيها.
وعليه، فإن جولات المبعوث الأمريكي ميتشل في المنطقة لن يكون بإمكانها إنتاج الجديد، طالما بقيت الولايات المتحدة تتعاطى مع إسرائيل وفق المتوالية ذاتها من المناشدات التي لا ترتقي لفعل الضغط والإجبار، لدفع إسرائيل نحو وقف عمليات الاستيطان بشكل كامل، والاستجابة لقرارات الشرعية الدولية.
كاتب فلسطيني ـ دمشق