مفهوم الحرية كبير وواسع، وهي بصورة عامة استقلالية التفكير والعمل تجاه الأطر والقواعد والقيود في الدولة والمجتمع. واتخذ هذا المفهوم أشكالاً في المجتمعات في كل العصور، فمن حرية العبد للانعتاق من سيده في عصور سالفة، إلى حرية العمل وحرية التفكير وحرية الرأي قولاً وكتابة.

فالحرية قيمة لا يمكن أن يحيا الإنسان أو تتقدم المجتمعات بدونها، والحرية على النقيض من الاستبداد، ولكنها ليست مطلقة، فهي ليست كحرية الأسد في الغابة يفترس من يشاء متى يشاء.

ويعاني بعض النخب الثقافية أزمة في الحرية، لأنها في واقعنا لا تؤمن بالديمقراطية وتعمل على إقصاء الآخر، وهي تمارس الوصاية وتستبد بالرأي، في الوقت الذي تنادي فيه بالحرية! وأزمة فكر النخبة وحدها تحتاج إلى مناقشة أخرى.

لقد واكب حركة الاستقلال في البلاد العربية استيلاء العسكر على الحكم في عدد من الأقطار العربية لتحقيق الحرية واضطهدوها، ونشأت أحزاب سياسية تنادي بالتحرر ومارست الاستبداد في السلطة وخارجها، وأصبح أعداؤهم في الأمس الذين يمارسون الاستبداد أفضل من دعاة الحرية، وحاولوا تشويه المفهوم كما يحصل اليوم لمفهوم الديمقراطية.

لقد ركز عدد من المفكرين العرب في تاريخنا المعاصر على مسألة الحرية، إما لأنها مفقودة أو أنها مهددة من أعدائها، وربما من أنصارها! ومن هؤلاء نذكر ناصيف نصار ومحمود أمين العالم ومحمد أركون وهشام جعيط وحسن حنفي وعلي حرب وكمال عبد اللطيف وعبد الله العروي وغيرهم.

إن الاستعمار والصهيونية هما الدافعان الرئيسيان للمطالبة بالحرية في العالم العربي، لكن هناك دوافع أخرى مصاحبة للمطالبة بالحرية، كالفساد والتخلف السائد في عالمنا العربي والاستبداد، وغياب الديمقراطية الحقيقية وأساسها الحرية وفي مقدمتها حرية الرأي.

والمشكلة الأكثر صعوبة وخطورة، هي أن قوى اجتماعية وسياسية تحارب الحرية، تحت مبرر الحفاظ على تقاليدنا الاجتماعية وتراثنا الديني والسياسي، دون فهم إيجابي لذلك التراث. ومن هنا نجد أعداء للحرية كانوا أنصارها في زمن آخر.

وتعج السجون العربية بدعاة الحرية، ألم يمارس بعض القوى ضغطاً ضد حقوق المرأة السياسية والاجتماعية؟ ألم يقف الكثيرون ضد حقوق الإنسان، بل ويمارس بعضهم ظلماً على الإنسان، وإلا ما معنى التجارة بالبشر في منطقة الخليج العربي؟ والغريب أننا نتهم الآخرين بالاستبداد ومعاداة الحرية، ونحن مستبدون ومعادون للحرية! وقد نفهم الحرية على أنها حريتنا في فهم الآخر والتعامل معه، دون عدالة ومساواة واحترام لرأيه وفعله، كذلك هو يفعل الشيء نفسه.

وندور بذلك في حلقة مفرغة، دون أن نخطوا خطوات إيجابية على طريق بناء الحرية في أوطاننا.

لا نريد أن تكون قضية الحرية وحرية الرأي خاصة ضحية صراعنا بإلقاء اللوم كل منا على الآخر، فبعضنا يرى أنها مسؤولية السلطة، والبعض الآخر مسؤولية الأفراد، وآخرون يرون أنها مسؤولية المثقفين، والحقيقة أنها مسؤولية الجميع وفي مقدمتهم السلطة.

ويتحدث البعض عن علاقة السلطة بالحرية، ويعتقدون أن تجسير الفجوة بين المثقف الداعي للحرية وبين السلطة، يخدم قضية الحرية في بلادنا العربية. ولكن، أولاً، إذا كانت السلطة استبدادية فكيف يكون ذلك لخدمة الحرية؟ ثم كيف يكون المثقف حراً إذا ارتبط بالسلطة؟

إن الحل الوحيد لهذه المشكلة هو تحقيق مكاسب للحرية في بلداننا، سواء بتنازلات تقدمها السلطة أو نتيجة نشاط قوى الضغط السياسي والاجتماعي.

لكن إذا أراد المثقف أن يكون مثقفاً حقيقياً ويمارس النقد وهو حر، فقد يضطر لأن يتخذ موقعاً بعيداً عن السلطة، حيث أثبتت التجربة أن دور العديد من المثقفين المنادين بالحرية قد دجن، إن لم يكن قد انتهى، لصالح السلطة عند ارتباطهم بها.

أما حرية الرأي فهي أساسية في الدولة المدنية، دولة الدستور والقانون، وبدونها يبقى الدستور حبراً على ورق ويبقى القانون أداة لقمعها. إن المعيار لمعرفة حقيقة دولة الدستور والقانون، هو توفر حرية الرأي قولاً وكتابة، ولا يمكن أن تكون هناك حرية رأي في بلدان تكمم فيها الأفواه، وتكسَر فيها الأقلام.

إن مسألة حرية الرأي ليست نظرية نتغنى بها أو تعج بها أدبياتنا وخطابنا الرسمي وغيره، وإنما هي ممارسة على أرض الواقع. إن الدول التي تحجم وتقزم فيها حرية الرأي تتجه نحو الاستبداد، وهذه بدورها مشكلة لها علاقة بموضوع التنمية، فكيف تحدث تنمية اقتصادية وسياسية وعلمية وبشرية وثقافية في ظل مناخ تغيّب فيه حرية الرأي؟

نقع كثيراً في التناقض بين ما ننادي به وما نمارسه على أرض الواقع، دولاً وأفراداً، وهذه الازدواجية جزء من ثقافتنا وتراثنا، وتنسحب على حرية الرأي لدينا أيضاً. لذلك نقول إن من أولويات أطروحات المثقفين الحقيقيين في بلداننا، الدفاع عن حرية الرأي كقضية حياة، وليست قضية مرحلية، فهي طريقنا إلى الديمقراطية والتقدم.

كاتب كويتي

dr.tamimialek@yahoo.com