في سياق مقالة صحفية مطولة ومفصلة، نشرت قبل أن يخرج اتفاق نيفاشا إلى حيز الوجود، قال منصور خالد مستشار الزعيم الجنوبي الراحل جون قرنق: «أنا لست شماليا.. وبالقطع أنا لست جنوبيا. أنا سوداني فحسب».

مرجعية مثل هذا القول كانت مشروع «السودان الجديد»، الذي وضعه قرنق وفق تصوره لسودان موحد بمواصفات معينة.

ولنتساءل: هل لا تزال لهذا القول مرجعيته الآن، بعد أن أصدر خليفة قرنق الجنرال سالفاكير ميارديت نداء صريحا وعلنيا إلى الشعب الجنوبي، ليأخذ بخيار الانفصال عن الشمال تمهيدا لإنشاء دولة مستقلة في الجنوب؟

يبدو الأمر وكأن الجنرال سالفا هو الذي قتل مشروع السودان الجديد بضربة واحدة.. بعد أن توصل إلى قناعة نهائية بأن التعايش بين شعب الجنوب وشعب الشمال في إطار سودان موحد، ضرب من المستحيل. لكني أقول إنه حتى لو بقي رئيسه ورئيس منصور خالد على قيد الحياة، لتوصل إلى ذات القناعة.

لماذا؟ للإجابة عن هذا السؤال، علينا أولا أن نتساءل: ما هو مشروع السودان الجديد؟

إنه بإيجاز، مشروع عنصري لقلب معادلة الحكم والثروة رأسا على عقب، بحيث يؤول أمر البلاد ومصيرها إلى مجموعة من الأقليات غير العربية، لتتحكم فيما يعتبره قرنق الأقلية العربية. وفي هذا السياق أتى قرنق بإحصائية (غامضة المصدر) لإثبات أن نسبة السودانيين المنحدرين من العرق العربي، لا تتجاوز 35 في المائة من إجمالي السكان.. أي أن مجموع الأقليات غير العربية يناهز نسبة 65%.

ورغم هذا البون الشاسع ـ يقول قرنق ـ ظل أمر السلطة والثروة على مدى عقود زمنية منذ الاستقلال، في يد الأقلية العربية وحدها. ومن ثم وجب «تصحيح» هذه المعادلة المختلة، وأن الوسيلة لاستحداث هذا التغيير الجذري هي القوة المسلحة، بحيث تتشكل جبهة قتالية من أهالي جبال النوبة والانقسنا والبجة والفور، تحت قيادة «الحركة الشعبية» الجنوبية لفرض إرادتها بالقوة على «الأقلية» العربية.

هنا نتساءل: هل «السودان الجديد» على هذا النحو مشروع استراتيجي أم تكتيكي؟

هو الاثنان معا. قرنق وضع تصوره على أساس أن تحقيق مشروع السودان الجديد هدف استراتيجي، لكنه لم يكن في ما بدا واثقا تماما من مدى جدواه على الصعيد العملي.. فوضع بالتالي مشروعا بديلا احتياطيا، وهو فصل الجنوب وإقامة الدولة المستقلة.. وبالتالي يكون «السودان الجديد» هدفا تكتيكيا.

وكذلك هو هدف تكتيكي من وجه آخر، من حيث استغلال المشروع مرحليا لاستقطاب القيادات الحزبية الشمالية المعارضة، ضد «نظام الإنقاذ» على عهد «التجمع الوطني»، قبل ان يبرم اتفاق نيفاشا للسلام..

علما بأن مشروع السودان الجديد، كان موجها ضد الشمال العربي الإسلامي.. يستوي في ذلك نظام الإنقاذ مع رموز المعارضة الشمالية. فالمشروع أريد له أن يقوم على أنقاض «السودان القديم» بقواه السياسية قاطبة.

من هذا المنظور كان المشروع خدعة كبرى. وإذا كان من الممكن القول إن تطبيق اتفاق السلام أدى الى فضح هذه الخدعة على الصعيد العملي، فإن بوادر هذا الانفضاح كانت واضحة للعيان، من خلال العملية التفاوضية التي أدت الى إبرام الاتفاق.

كانت تلك مرحلة اختبار، حيث دخل قرنق العملية التفاوضية كممثل لشعبه فقط ـ الشعب الجنوبي ـ وليس كزعيم قومي كما كان يسوق نفسه ومشروعه دعائيا.. وبذا اضطر الى نزع القناع كقائد جنوبي، يرمي إلى انتزاع الحد الأقصى من المكاسب لشعبه الجنوبي على حساب الشمال وأهل الشمال.. والحصول على حق تقرير المصير للجنوب كتمهيد للانفصال، تحسبا لفشل مشروع السودان الجديد.

الآن مضى على تطبيق نيفاشا ما يقارب خمس سنوات، اكتشفت من خلالها الحركة الشعبية الجنوبية، بعد أن آلت قيادتها إلى سالفا كير منذ وقت مبكر، أولا أن «السودان الجديد» هو في أفضل الأحوال مجرد حلم رومانسي.. وثانيا إن من كانوا يؤيدون الحركة الجنوبية من أهل الشمال متوهمين انها حركة ذات توجه قومي، استيقظوا من الوهم بعدما استشعروا خيبة أمل.

ولا بد أن خلفاء قرنق في الحركة أدركوا أن صورة الشمال التي كانوا يرونها من الخارج، لم تكن سوى صورة نظرية مستوحاة من تفكير رغبوي، وهي إذن غير صورة الواقع الذي عايشوه مدى الأعوام الخمسة الأخيرة.

لقد أدركوا أولا، خطأ تنظير قرنق في تصنيف السودانيين الى أقلية عربية ومجموعة أقليات غير عربية. فالتصنيف الصحيح يقوم على اعتبارات ثقافية حضارية، وليس على اعتبارات عرقية.

وبذلك فإن غالبية السودانيين ينتمون إلى الحضارة العربية الإسلامية، بما في ذلك رابطة العقيدة الدينية وسيادة اللغة العربية، وأن الإسلام في الشمال ليس فقط عبادة، وإنما هو أيضا أسلوب حياة للأغلبية العظمى، ينتظم السلوك الاجتماعي على مستوى الأفراد والأسرة والجماعات، في كافة مظاهر الحياة اليومية.

ولا شك أن قيادة الحركة الجنوبية توصلت إلى القناعة النهائية التي عبر عنها سالفا كير، باللجوء إلى خيار الانفصال.

كاتب صحافي سوداني

opinion@albayan.ae