في ما يتعلق بفرص الانتعاش الاقتصادي في الولايات المتحدة، يمكن القول إننا ابتعدنا قليلاً عن شفير الهاوية، لكن الوضع الحالي لا يمكن أن يوصف بأنه انتعاش قوي. وربما يكون الركود قد انتهى بحسب توصيف الاقتصاديين، لكنه لم ينته ولا يوشك على الانتهاء، بحسب توصيف الأميركيين العاطلين عن العمل أو الذين لا يجدون من يشتري البضائع التي ينتجونها.

ربما يكون معدل البطالة الرسمي 10%، لكن عندما نأخذ في الاعتبار أولئك الذين توقفوا عن البحث عن وظائف، بسبب استمرار الركود لكل هذه الفترة الطويلة، تصبح الصورة قاتمة حقاً. وبما أن مكتب إحصاءات العمل يجمع البيانات حول أولئك الذين يئسوا من البحث عن وظائف أو قبلوا العمل بدوام جزئي، يتبين لنا عند أخذ تلك البيانات في الحسبان أن مستوى البطالة الحقيقي في الولايات المتحدة تجاوز 19%.

وهذا يعني أن واحداً من بين كل خمسة أميركيين يبحثون عن عمل، لن يستطيع الحصول على وظيفة الآن. و4 من بين كل عشرة أميركيين لا يجدون عملاً، فقدوا أعمالهم منذ ما لا يقل عن ستة أشهر، وهذا يعني أن كل مدخراتهم قد نفدت على الأغلب، في حين تتضاءل فرص العثور على وظيفة جديدة، وهذا وضع خطر. وتبدو الصورة أشد قتامة بالنسبة لمن هم فوق سن الخمسين، وحتى أشد قتامة بالنسبة للشباب السود الذين بلغت نسبة البطالة بينهم 50%.

ومن الشائع القول بأن نمو الوظائف يأتي عادة متأخراً بعد بداية الانتعاش، لكن الحقيقة هي أن الانتعاش لم يكن قوياً بما يكفي، لتوليد ما يكفي من الوظائف للداخلين الجدد إلى سوق العمل، ناهيك عن خفض معدلات البطالة من 10 إلى 5%. ولكي يحدث هذا في الولايات المتحدة، لابد من توفر معدلات نمو لا تقل عن 3%. وأنا شخصياً لا أتوقع أن يتجاوز النمو ذلك المستوى في 2010 و2011.

والمشكلة الجوهرية ـ داخلياً وعالمياً ـ هي أن ما ساعد على استدامة مستويات النمو المرتفعة في سنوات ما قبل الأزمة، هو الفقاعة الاقتصادية التي أتاحت للناس العيش بمستوى يفوق إمكانياتهم، عن طريق الاقتراض. ففي سنة واحدة، استدان الأميركيون 950 مليار دولار، عن طريق إعادة تمويل قروضهم العقارية. وخلال تلك الفترة انخفض معدل الادخار في الولايات المتحدة إلى صفر. والتحليل هو أن هذا النمط غير المستدام ما كان له أن يدوم.

والوجه الآخر للفقاعة المنفجرة، هو تراجع الاستهلاك. وهذا أمر جيد على المدى الطويل، لكنه يمثل مشكلة على المدى القصير. وفي هذا السياق فإن التوسل للزبون حتى يعود إلى الاستهلاك، يبدو أمراً مضحكاً. فمن ناحية، لا ينبغي لنا تحت أي ظرف أن نعود إلى عهدنا السابق في العيش، فوق حدود إمكانياتنا الحقيقية في الولايات المتحدة، خاصة وأن هذا هو سبب الأزمة في المقام الأول. ومن ناحية أخرى، فإننا في الوقت الراهن عاجزون عن فعل ذلك، حتى ولو أردنا.

وهذا يعني أن من غير المحتمل أن نشهد انتعاشا قويا عما قريب، لأن غياب الاستهلاك القوي، يعني غياب الاستثمارات القوية.

وفي أزمة 97-1998، عندما مرت كوريا، على سبيل المثال، بأزمة مشابهة، استطاعت أن تشق طريقها إلى الانتعاش، عن طريق تصدير ما تصنعه إلى الولايات المتحدة وغيرها من البلدان القادرة على استهلاك منتجاتها. لكن الآن في ظل الأوضاع الاقتصادية المتردية في كل من أوروبا والولايات المتحدة، لا يمكننا أن نتلمس مخرجنا من الأزمة عن طريق التصدير، إلا إذا وجدنا طريقة للتصدير إلى المريخ مثلاً.

هناك جزء من العالم بدأ يشق طريقه إلى الانتعاش، وهو آسيا. لكن برغم ديناميكية هذه القارة، فإن الطلب الإجمالي فيها لا يزال أقل من أن يتيح للولايات المتحدة الخروج من الركود عن طريق الصادرات.

وهذا يلقي بمسؤولية سد هذه الفجوة على الحكومة. وفي هذا الإطار، كان لرزمة الحوافز الأميركية أثر إيجابي، ولولاها لوصلت معدلات البطالة الرسمية الآن إلى 11 أو 12%. لكنها لم تكن كبيرة بما يكفي، أو مصممة بشكل جيد بما يكفي لإعادة معدلات التوظيف إلى المستويات الطبيعية.

ومن الأخطاء الأساسية في تصميم رزمة الحوافز، أنها لم تأخذ في الحسبان المشكلات المالية التي سيسببها الركود الاقتصادي للحكومات المحلية، على مستوى المدن والولايات.

وعندما ينخفض دخل الضرائب بسبب تراجع النشاط الاقتصادي، لابد من خفض الميزانيات. ولقد انخفضت العوائد على مستوى المدن والولايات بواقع 200 مليار دولار هذه السنة، مما اضطر الحكومات المحلية إلى تقليص إنفاقها، في الوقت الذي اتجهت فيه الحكومة الفدرالية لزيادة إنفاقها. وهذا الوضع سيتفاقم أكثر مع نهاية رزمة التحفيز في 2011.

لكن ما العمل؟ على الكونغرس أن يمرر رزمة تحفيز ثانية، وعليه أيضاً أن يحكم السيطرة على أزمة قروض الرهن العقاري، والتي كانت الشرارة التي أشعلت فتيل الانهيار المالي. فهذه السنة وحدها يتوقع أن تشهد السوق 5,2 إلى 3 ملايين دعوى استحواذ على عقارات مرهونة، بسبب التخلف عن سداد الأقساط.

وأخيراً، على البنوك أن تستأنف عمليات الإقراض، خاصة إلى الأعمال التجارية الصغيرة ومتوسطة الحجم، والتي تستطيع توليد فرص عمل جديدة. ولا يجب أن ننسى أنه من أجل هذا الهدف بالتحديد، أقدمت الحكومة أصلاً على إنقاذ البنوك، لكن الفكرة لم تنجح حتى الآن.

ليست هناك إلى الآن أية ضوابط حقيقية على عمل المصارف، فهي تحصل على تسهيلات ائتمانية بفائدة 0% من البنك المركزي، لكن ما الذي تفعله في المقابل؟ إنها تبحث في أنحاء العالم عن فرص للاستثمار في الاقتصادات القوية، ليس في الولايات المتحدة، بل في الأسواق الناشئة مثل البرازيل والصين. والآن بدأت هذه الممارسة بالتسبب في مشكلة هناك أيضاً، لأن أموال مضاربة بدأت تخلق فقاعات في تلك الأسواق.

ولحسن الحظ فإن تلك البلدان مرت بهذه الأزمة من قبل، ولديها لوائح وأنظمة مصرفية وسياسات نقدية أفضل من تلك المطبقة في الولايات المتحدة.

خبير اقتصادي أميركي حائز على جائزة نوبل

opinion@albayan.ae