قبل مئة عام، وتحديداً في صيف 1912، قصد جورجي زيدان (1861-1914)، أحد أعلام النهضة العربية، أوروبا وجال في ثلاثة من بلدانها، هي فرنسا وإنجلترا وسويسرا، والأخيرة، التي تخلب الألباب بمناظرها، لم يمكث فيها إلا وقتاً قصيراً، ذلك أن قصده لم يكن الاستجمام والاصطياف، بقدر «إعمال الفكر في أحوال تلك الأمم»، ونقل «ما يهم قراء العربية من أحوال تلك المدنية التي أخذنا في تقليدها منذ قرن كامل، ونحن نتخبط في اختيار ما يلائم أحوالنا منها».

ويلاحظ زيدان أن النظام الفرنسي استقر على الجمهورية منذ العام 1870، ومثبت بقانون دستوري وضع بعد خمس سنوات من ذلك، في حين أن «نظام الحكومة الإنكليزية من النوع الملكي المقيد»، ولأن «الأمة الإنجليزية لا تزال حتى الآن محافظة على الأرستقراطية.

رغم اعراقها في الدستورية، (لذلك) فحتى الدستور عندها لا يزال محفوظاً بالتقليد، أي أنهم لم يدونوا قواعده وشروطه، وإنما يجرون به على التقاليد الماضية فيحكمون في شؤونه بالقياس». ومن قبيل «المحافظة على التقاليد» ـ يكتب زيدان ـ أن «الإنجليز ما زالوا متمسكين بأهداب الدين، يحافظون على طقوسه وتعاليمه، ولا سيما الراحة يوم الأحد».

»ويمتاز الفرنساوية ـ يقارن زيدان ـ عن سائر أهل أوروبا، بالنزوع إلى الحرية على اختلاف أوجهها... ومن قبيل تعشقهم الحرية مغالاتهم في مطاردة بعض الجماعات الدينية. ولكنهم تطرفوا في ذلك حتى خرجوا به إلى عكس المراد بالمدنية.

ففترت الحاسات الدينية، ونزع الناس إلى الشك في الدين، وآل الأمر في بعض الأحوال إلى فساد الآداب. لأن ـ كما يستنتج زيدان ـ العامة لا تستغني عن وازع ديني يصلح من آدابها. ومن أكبر أسباب الفساد إلقاء الشكوك الدينية في أذهان العامة».

ويلاحظ جورجي زيدان على الأمة الإنجليزية دون سواها، أنها مقسمة إلي «طبقتين لا تختلط إحداهما بالأخرى، الأعيان والعموم، وذلك من بقايا القرون الوسطى التي كان اللورد (فيها) صاحب الأرض وله السيادة هو وأهله على بلده، وسائر الناس أعوان له أو عمال في مزارعه».

والطبقية تلك يعبر عنها سياسياً المجلسان، مجلس الأعيان ومجلس العموم. ويضيف زيدان قائلاً: «وقد ترى مثل هذين المجلسين في بعض الأمم الأخرى، لكنه عند الإنجليز مبني على تسلسل الأرستقراطية من الأجيال الوسطى».

ولعل من آيات هذا الانقسام الطريفة التي يوردها زيدان «أنه ليس في قطر السكك الحديدية درجة وسطى بين الأعيان والعموم، فالقطار عندهم فيه عربات من الدرجة الأولى وعربات من الدرجة الثالثة». «فالإنجليز ـ يجمل القول ـ عندهم الحرية والإخاء، وليست عندهم المساواة».

ويتلمس جورجي زيدان خلالاً وصفات حميدة يتحلى بها المجتمع الأوروبي، رغم ضعف الوازع الديني عند بعضه، الذي هو موضع انتقاد حاد عنده. فالأمانة والثقة متوفرة قائمة بين الناس. ف»بعض باعة الجرائد في فرنسا وإنجلترا، يضعون أعداد الجريدة فوق طاولة على الرصيف خارج الحانوت، وبجانبها علبة، فمن أراد أن يبتاع جريدة وضع ثمنها في العلبة وتناول الجريدة ولا رقيب عليه.

وصاحبها لا يخاف أن يسرقه المارة فيأخذ أحدهم الجريدة ولا يدفع الثمن. وقس على ذلك الثقة المتبادلة في سائر الحرف».

وحينما رأى العلم هناك تأسى على حاله في بلاده مصر التي اتخذها موطناً، فهي تصرف عليه عشر ما تصرفه فرنسا.

وقد لفت انتباهه المسرح الذي يسميه «المرسح» ودوره في تثقيف عامة الناس في شؤون حياتهم، وبالذات ما يتعلق منها بالجانب السياسي: «رأينا على مراسح التمثيل ضرباً من التمثيل الانتقادي، يريدون به انتقاد العادات والأخلاق والآداب، في شكل بين الجد والهزل يلذ للمشاهدين، لأنه يتعلق على الخصوص بالأمور الجارية التي يتحدث بها الناس. وكثيراً ما ينتقدون الكتَّاب أو رجال السياسة على كتاب ألّفوه، أو رأي رأوه».

وتأخذ أحوال المرأة الأوروبية جانباً من انتباه جورجي زيدان، وهو يعبر عن رأي محافظ يعكس درجة تطور الفكر العربي في زمانه. فالأوروبيون «أخرجوا المرأة من ظلمات الجهالة، وأطلقوا سراحها، واعترفوا بحقوقها وساووها بالرجل، ما له وما عليه. فبرزت من خدرها، وتعاطت أعمال الرجال، وسابقتهم في كثير من أعمالهم، لأنها أقل أجرةً».

وهي لم تتعاط الأعمال الرفيعة، بل تعاطت الأعمال الوضيعة ـ في رأيه ـ أيضاً ك»سوق المركبات»!

ويضيف: «فقد شاهدنا واحدة منهن تسوق مركبة بالأجرة في شوارع باريس، فأدهشنا ذلك، فاخبرنا صديق كان معنا أن في باريس 12 سائقة مثل هذه».

لذلك يرى زيدان أن من بين أسباب «شيوع التهتك بباريس، إنما هو إطلاق سراح الفتاة ومساواتها للرجل، وتكليفها الارتزاق مثله»! ولا عجب، إذن، أن يتشكك جورجي زيدان في دعاوى تحرير المرأة، إذ يقول: «كنا نشكو من جهل الفتاة الشرقية وحجبها، ونحسد الفتاة الإفرنجية على تعلمها وحريتها، فلما رأينا حالها في باريس انقلبت شكوانا، وكدنا نرضى بالحجاب والجهل، إنهم أساؤوا إلى ذلك المخلوق اللطيف، بتلك الحرية المتطرفة»!

وفي ذات السياق، يستهجن جورجي زيدان مطالبة المرأة الإنجليزية بحقوقها السياسية، فيكتب: «وتطرفت طائفة من المتهوسات حتى طلبن حق التصويت في مجلس النواب، وبالغن في ذلك وخرجن به عن طورهن الذي خلقن له، واستخدمن العنف في مطالبهن». ويضيف معلقاً: «ولا نظنهن إلا راجعات إلى الصواب»!

كاتب كويتي

alyusefi@hotmail.com