هل العرب فعلا ظاهرة صوتية؟ وهل ينعكس الصخب الصوتي على طبيعة نقاشاتهم وقدرتهم على صوغ أفكار حقيقية تعبر عن الموقف المراد دراسته وتحليله؟ وهل يساعد الصوت أكثر من أي شيء آخر على إثبات وجهة النظر وكسب القضية وفرضها على الطرف الآخر؟
وإذا كان ارتفاع الصوت ينفع على مستوى الممارسات اليومية بين أبناء الشعب الواحد وبين أبناء الشعوب العربية، فهل ينفع على مستوى السياسات الخارجية ومواجهة القوى الأخرى المناوئة للمنطقة ومستقبلها؟!!
في الكثير من المناسبات التي تدفع بي لأحد الأسواق التجارية وما أن ألتفت لأصوات عالية، سواء من خلال ضحك أو صراخ أو حتى حوار، إلا وأجد مجموعة من العرب، أو حتى أجد أما تنهر ابنها بصوت عالٍ، أو مجموعة من الفتيان يتحدثون مع بعضهم البعض بأصوات هادرة.
وإذا ما وجدت شجارا مع بائع أو مجادلة في مقهى أو عراكا في موقف سيارات، فإنني غالبا ما أجد أحد أطرافها عربيا يهاجم الطرف الآخر ويمارس عليه تسلطه وصوته العالي. وفي معظم هذه الأحيان نادرا ما أجد جنسية من الجنسيات الأخرى تستخدم الصوت العالي إلا العرب، حتى في مطارات الدول الأجنبية عندما يسترعي انتباهي صوت عالٍ.
غالبا ما أجده صوتا قادما بنكهة عربية. صحيح أن المرء يسعد بسماع هذه اللغة، لكنها تأتي مفارقة في الغالب لهدوء المكان لتعلن عن نفسها بصخب يسترعي انتباه المحيطين.
وخلال ملاحظتي أو مراقبتي للعديد من هذه المواقف، يمكن الخروج بمجموعة من النقاط تكاد تنطبق على معظم الجنسيات العربية بدون استثناء، وإن بنسب مختلفة اختلاف السياقات الاجتماعية ودرجة الثقافة والتعليم والثراء وربما الغطرسة:
يرتبط ارتفاع الصوت غالبا بمستوى عصبية قد لا نجده في العديد من الجنسيات الأخرى.
فالعربي متوتر غير صبور وفي أحيان غير قليلة منفلت لا يفكر في شيء سوى النيل ممن يتعامل معه، بحيث يتحول موقف بسيط يختص بعملية شراء عادية إلى معركة كرامة قد تستهلك فيها كمية أدرينالين تكفي مدينة بأكملها.
وتزداد حالة العصبية والصخب حينما يزداد عدد المحيطين؛ هنا تُشعل عقلية القطيع المزيد من التأجج والرغبة في النيل من الآخر والحط من كرامته.
يرتبط الصوت العالي بسوء فهم للموقف واضطراب في تقديره، وهو أمر ينقل صاحبه من الحوار الهادئ الرصين إلى الهجوم وتعنيف الآخرين، خصوصا إذا ما ازداد عدد المتفرجين على ما يحدث، الأمر الذي يصبح استخدام الصوت فيه لازمة من أجل إثبات الذات والتحرر من الإحراج أمام المتفرجين، ناهيك عن تخويفهم. ومن الملاحظ أيضا أن العربي يزداد انفعالا وحدة إذا ما تشاجر مع طرف آخر في وجود زوجته أو أي من أقربائه، هنا تصبح الرغبة في إثبات الذات عارمة تتجاوز أية نتائج خطيرة قد تترتب عليها.
لا ينفصل الصوت العالي والنزعة الهجومية، عن حالة الاستعلاء الملازمة للشخصية العربية على الكثير من أبناء الجنسيات الأخرى، على الرغم من أن الكثير منهم يتمتع بخبرات عالية تفوق في الكثير من الأحيان العرب وقدراتهم التعليمية.
فهناك تصور خاطئ وذائع بين العرب عن وضعية بعض الجنسيات الأخرى وما يرتبط بذلك من تنميط مسبق وغير صحيح في أحيان كثيرة؛ وعلى أي حال فإن هذا التنميط شائع بين العرب أنفسهم فما بالنا بنظرتهم للآخرين!
من الجوانب اللافتة للنظر أن مسألة ارتفاع الصوت والحلفان بأغلظ الأيمان ترتبط للأسف الشديد بعادة الكذب المنتشرة بين العرب، ويحدث ذلك على وجه الخصوص إذا ما كان العربي مُخطئا بشكل لا يمكن الشك فيه، حيث لا يجد مفرا سوى تغليظ الحلفان والتأكيد على أن الطرف الآخر هو المخطئ.
لا يعني ذلك أن العرب جميعهم يتصرفون على هذا المنوال، كما لا يعني أيضا أن هذه الممارسات غير موجود في الثقافات الأخرى. لكن ما يعنينا هنا هو انتشارها بشكل كبير بين الثقافات العربية المختلفة، بدرجة يكاد يلحظها المرء في الكثير من الأحيان والمناسبات.
ولا يعود ذلك لطبع متأصل في العربي، بقدر ما يعود لجملة عوامل كثيرة منها طريقة التربية والتنشئة الأسرية، التي يصبح فيها استخدام الصوت هو الفيصل في حل المناقشات وإنهائها.
وإلى المدرسة التي يُطلق فيها المدرس العنان لغرائزه الصوتية للتغلب على تلاميذه والسيطرة عليهم. بل إن هذه الظاهرة تُمارس في الجامعات ودور العبادة والأحزاب السياسية وأغلب التجمعات العربية الأخرى. وفي المحصلة يتحول النقاش إلى وصلة من الصوت العالي الأقرب للردح يكسبها صاحب النفس الطويل والحنجرة القوية.
تحتاج الثقافة العربية لإعادة تأهيل الأفراد، بدءا من مؤسسة الأسرة مرورا بالمدرسة والجامعة ومؤسسات المجتمع الرسمية والمدنية على السواء، بحيث يتم التأكيد على أهمية خفض الصوت في الحوار، وسماع الآخر وعدم الحط من شأنه وتنميطه ونبذ الكذب وعدم الخوف من الأخطاء.. وحتى يحدث ذلك سوف يتواصل صخبنا وكذبنا وتنميطنا للآخرين، الذين يتجاوزوننا يوما بعد يوم بدون ادعاء وبتواضع، نتمنى الوصول إلى بعضه!!
كاتب مصري