ما أبشع التكنولوجيا عندما تتحول إلى وسيلة تنقل بالصوت والصورة الفناء الجماعي، الذي يطن الآذان ويحدث ضجيجا في النفوس بهذا السباق المحموم على نقل مشاهد الموت في أكثر من بقعة من بقاع الأرض التي تضيق في هذه الوهدة من الوقت، وكأني بهذه الفضائيات تؤدي دور اللطامات على جوانب القبور.

ساعات قليلة ماضية ضجت فيه الأخبار بالموت، وهي ليست جديدة في مساقها العام، حيث كثر الهرج والمرج والقتل، لكن هذه المصارع اكتنزت في تصاعد زغلل الأبصار في توال لا هوادة فيه، ولا ثمة منفذ غير الانصياع لأقدار الحياة الدنيا بشقها الآخر الحتمي شق الرحيل وخروج الروح.

هنا الأسباب تفاصيل تحتمل الكثير من الكلام واللغو والمجادلة، لكن المحصلة ان من مات فات، فلا ثمة فرصة لاسترجاع ثانية نفس تلاشت إلى غير رجعة، مخلفة وراءها أفقا كئيبا من الذكريات، والتي قد تحمل صفة جمال ودفء ومودة، لكن لأنها تحضر في هذا الموقف سرعان ما تتحول إلى سواد من الأحزان يطغى على كل شيء، ولولا أن الإنسان سمي إنسانا من النسيان لفقد رشده من هول ما يرى.

انه لنسج للحظة المفارقة بما لم يكن في الحسبان، ولم يخطر على الأذهان التي قد تشبثت بورود من الأحلام، وما علمت أنها قاب قوسين أو أدنى من هادم اللذات، وفقا لمقصلة حدد أوان انفلاتها على الأبدان نازعة لتلكم الروح التي هي من أمر ربي، قضاء لامفر من القبول به رضا أو كرها.

مفرق الجماعات كان مكثفا لحضوره على الفضائيات في تسيد قسري مطيحا بباقي الأحداث من أجندات الاهتمام، فلا معنى لحديث الانتخابات ذات النفس الطائفي الكريه في العراق، في حين تحصد الانفجارات العشرات من سكان بغداد دون تفريق بين سني وشيعي وعلماني وشيطاني، كما لم يفرز هذا القدر الأبيض اللبناني عن الأسمر الأثيوبي، ولم يستثن زوجة السفير الفرنسي ولو كانت حاملة لجواز دبلوماسي، فما إن اشتعلت الطائرة حتى غدا الكل في عداد المفقودين، الحاجزون على الدرجة الأولى أو أولئك القابعون في ذيلها.

وفي هاييتي كما في نيجيريا الموت بالمئات والآلاف مع فارق بسيط كحد الشعرة، فالأولى زلزال جعل عاليها سافلها وحولها من جزيرة هانئة برزقها إلى مقبرة جماعية وبقايا أشباح تخرج من بين الأنقاض، والثانية نزع للأنفس بيد البشر قتلا وسفكا للدماء البريئة من الذنب سوى أنها جاءت في هذا المكان وفي هذا الزمان، وفي لحظة أسموها صراع الأديان.

بدون أدنى شك هناك نهايات لم نذكرها، وأخرى لم ولن تصل إلينا، لكن الاعتبار نقطة ضوء نستجمعها ماضين في دروب الحياة دون غفوة تغرقنا في الغفلة.

al_khabar@hotmail.com