مفارقة مدهشة فعلا، أن يكون العشرون من يناير 2009 احتفالا عالميا بتنصيب أوباما رئيسا للولايات المتحدة، ثم يصحو العالم يوم العشرين من يناير 2010، أي في العام التالي مباشرة على هزيمة مدوية تلقاها الرجل. فقد خسر حزبه مقعد مجلس الشيوخ الذي شغله السناتور الديمقراطي الراحل تيد كيندي لعقود طويلة.
جوهر الهزيمة متعدد الأبعاد. فالمقعد الذي خسره الديمقراطيون هو أحد مقعدي ولاية ماساتشوستس، وهي ولاية من ولايات الشمال الشرقي المعروفة بميلها الكاسح للديمقراطيين. بل إن أوباما فاز فيها بالرئاسة على منافسه جون ماكين بفارق 26 نقطة كاملة.
أكثر من ذلك، كان أوباما قد ذهب بنفسه للولاية قبل الانتخابات بأيام، للدعاية لمرشحة الحزب الديمقراطي، فوضع الرئيس شعبيته ومكانته على المحك لإنقاذ المقعد بلا جدوى.
لكن الأهم من هذا وذاك، هو أن خسارة ذلك المقعد ستكلف الديمقراطيين الكثير داخل مجلس الشيوخ نفسه. فعلى عكس مجلس النواب الذي يدار العمل فيه وفق الأغلبية البسيطة (50% +1)، فإن قواعد مجلس الشيوخ تجعل الكثير من الأمور في ذلك المجلس تحسم بأغلبية 60 صوتا.
والديمقراطيون كانوا يشغلون قبل انتخابات ماساتشوستس 58 مقعدا (من أصل مئة) مقابل 40 مقعدا للجمهوريين، بينما يشغل المستقلون مقعدين. لكن لأن المستقلين كانا في الأغلب يصوتان مع الحزب الديمقراطي، فقد كانت لدى الديمقراطيين فرصة تمرير ما يريدون. لكن بانتخاب جمهوري لمقعد ولاية ماساتشوستس، صار للجمهوريين 41 صوتا يستطيعون من خلالها في الواقع تعطيل كل ما تريده الأغلبية الديمقراطية.
ما الذي حدث من يناير 2009 إلى يناير 2010؟ وماذا يعني ذلك بالنسبة للمستقبل؟ في ظني، تكمن الإجابة عن تلك الأسئلة في مفارقتين؛ الأولى مفارقة تتعلق بالعلاقة بين أوباما والحركة التي دعمته لحظة الانتخابات، والثانية ترتبط بطبيعة المعركة الأهم على الإطلاق التي خسرها أوباما.
أما في ما يتعلق بأوباما الحركة وأوباما الرئيس، فيحسن بنا العودة قليلا للوراء لحظة الانتخابات الرئاسية. ففي أثناء تلك الانتخابات كانت كاتبة السطور قد قدمت على هذه الصفحة، اجتهادا في تحليل ظاهرة أوباما وآفاقها، مؤداه أن هناك فارقا بين أوباما المرشح وأوباما الحركة.
واعتبرت أن الأمل لا بد وأن يكون على الحركة لا المرشح، لأن الحركة أكثر تقدمية بكثير من مرشحها. ومن ثم فإن حدوث أي تحول في السياسة الداخلية والخارجية الأمريكية بتولي أوباما، «لن يتحقق إلا إذا استطاعت تلك الحركة أن تنظم نفسها من الآن، لتصبح قوة ضاغطة عليه تدفعه دفعا لاتخاذ مواقف جريئة بشأن القضايا المختلفة».
فأميركا محافظة بطبيعتها، لكنها تعرضت أيضا في العقود الأخيرة لتحولات كبرى، أدت لتغير هيكلي في البنية الفكرية والتنظيمية والحركية، صارت ترجح بوضوح كفة اليمين. لذلك، كان من الضروري لإحداث أي تحول حقيقي في الخطوط العريضة للسياسة، أن تبرز قوى جديدة قوية وقادرة على إحداث التوازن السياسي.
وغياب هذه القوى هو الذي جعل كلينتون «الديمقراطي» يحكم في الواقع من اليمين، حتى إن فترة حكمه لم تمثل في الحقيقة ابتعادا محوريا عن جوهر سياسات الجمهوريين منذ ريغان، وفرصة حدوث ذلك التحول لم تبرز في الأفق إلا في العام الماضي. ولم يكن ذلك مصدره أن أوباما «الديمقراطي» فاز بالرئاسة، ولا لأن أوباما كان «ديمقراطيا» يختلف عمن سبقوه، وإنما لأنه جاء للحكم محمولا بحركة واسعة تضم قوى أكثر تقدمية منه بكثير، كان المأمول أن تنظم نفسها للضغط عليه.
لكن ما حدث طوال العام الماضي، كان العكس بالضبط. فبدلا من أن تنظم الحركة نفسها للضغط على أوباما، إذا بها تسمح لأوباما أن يوظفها هو لدعم مواقفه وبرنامجه! والفارق كبير بين الحالتين. فبدلا من أن ترفع الحركة سقف الممكن، عبر إجبار الرئيس على وضع مواقفها في حسبانه، راح الرئيس يسعى لتمرير برامجه عبر تنظيم من ناصروه في الحملة، من أجل مناصرته كرئيس.
لكن الرئيس كان يبدأ في كل قضية، ليس من سقف مواقف أنصاره، وإنما يبدأ بموقف «توفيقي» سعيا لاجتذاب اليمين في حزبه، ثم يخوض مفاوضات تنتهي إلى صفقات، تنطوي بالضرورة على المزيد من التنازلات لتيار اليمين عموما، لا في حزبه فقط. وطوال الوقت، كان المطلوب من أنصار أوباما أن يؤيدوا ذلك كله، باعتباره الممكن سياسيا.
أضف لذلك أن الكثير من تلك التنازلات كان يتم في الغرف المغلقة، بعيدا عن أعين المناصرين الذين كثيرا ما فوجئوا بها، الأمر الذي خلق حالة إحباط وخيبة أمل داخل الحركة. اللافت للانتباه هو أن أوباما لم يفلح، بعد كل ذلك، في استقطاب اليمين لأي من مشروعاته.
المفارقة الأولى إذن، هي أن حركة أوباما لم تنظم نفسها لتشكل قوة ضغط على أوباما توازن اليمين، وسمحت لأوباما بأن يسعى هو لتوظيفها، فكانت النتيجة هزيمة للاثنين.
أما المفارقة الثانية فهي التي تبلورت في ضوء موقف اليمين من أوباما. فالواضح أن هناك نية مبيتة لعدم السماح للرئيس بتحقيق أي إنجاز، عبر عرقلة كل برامجه أو رفضها بالمطلق.
والمفارقة هنا هي أن أوباما خسر معركة الأفكار والإعلام، وهي مفارقة جديرة بالتأمل حقا. فالرئيس المفوه صاحب الكاريزما، والسياسي الذي استطاع أن يوظف الإعلام لصالحه ببراعة في الانتخابات، هو نفسه الذي سمح لليمين بأن يتولى نيابة عنه تعريف القضايا، بل وتعريف الناس بطبيعة برامجه وجوهرها.
بعبارة أخرى، انكفأت حركة أوباما على نفسها وأصابتها خيبة الأمل، بينما هيمن اليمين في ساحة الأفكار وفاز في معركة الإعلام.
ومن هنا، صار المستقبل مرهونا بمصير حركة أوباما وموقفها منه، وبقدرة أوباما على حسم موقفه إزاءها.
كاتبة مصرية
