الحديث عن مؤهلات المرأة كنموذج حضاري يستطيع الصمود أمام متطلبات الحياة ورسالة الحضارة، أصبح من نافلة القول التي لا تقبل الجدل، فهي على نطاق الأسرة تملأ الأفق بالأمثلة الناجحة لإدارة الأسرة على أكمل وجه، وحسن اختيار الرشيد من الأفعال وبناء المستقبل كما تتطلب لوازم الحضارة، وهي على مستوى المجتمع أثبتت نفسها مسؤولة ومربية ومعلمة، وقدمت نفسها على كل الأصعدة سفيرة ووزيرة وبرلمانية وسياسية واقتصادية، لتؤدي الأمانة الموكلة إليها باقتدار، بما يهم جميع أفراد المجتمع، وبما يضمن حسن القرارات التي تشارك بها على اختلاف الدائرة التي يمتد فيها هذا القرار وآثاره.
ولقد استطاعت المرأة الخليجية إبراز نفسها، من حيث المؤهلات العلمية واكتساب الدرجات الأكاديمية وخوض غمار العمل التقني والإداري وغيرها، حتى أصبحنا نرى في كل يوم بروز اسم نسائي يدخل ميدان العمل الاجتماعي، ويثبت كفاءته وجدارته في مجتمع متكافل، ينظر إلى المرأة على أنها شريك الرجل في صنع الحضارة وبناء أسس التوازن الأسري والمجتمعي.
ولقد كان الرجل والمرأة عبر التاريخ طرفي معادلة ناجحة في صناعة القرار، وتبادل الرأي في مختلف القضايا التي اعترضت حياتهما معاً، ولا يزال الزمان يقدم لنا يوماً بعد يوم أمثلة ناصعة، عن مدى نجاح المرأة في شغل مكانة الناصح الأمين للرجل، القادرة على تزويده بالرأي الحصيف والمشورة المخلصة.
هذه الحقيقة المطلقة في عمق التاريخ والزمان، الممتدة بجلاء إلى الحاضر المعاش، والمبشرة باستمرارها في المستقبل المقبل، لا تزال تحتاج عند البعض إلى المزيد من الجلاء، لإزالة الإبهام عن نصاعتها، وتقديم النماذج الراقية التي كانت فيها المرأة نِعم العون للرجل، فكراً ورأياً ومشورة بناءة.
والناظر في حال المرأة والرجل عبر التاريخ، يجد أن لها الكثير من البصمات التي تؤسس لقاعدة جدارة المرأة في حل الكثير من المشكلات المعقدة، بل كانت صاحبة الحل والعقد في كثير من شواهد التاريخ، في طول الأرض وعرضها، وعلى امتداد الحضارات والشعوب، ولا أكثر من المستشارات الحصيفات، والعالمات المبدعات، والمربيات الفاضلات، وكم أثنى التاريخ على نساء عدّهن في قوائم الخالدات في سجله مع الخالدين.
وإذا اقتربنا أكثر من واقعنا المحلي والخليجي، نجد العديد من النماذج المشرقة التي أرست هذه الحقيقة، وجعلت من سلوكها منارات تؤسس علاقة متينة وأثراً كبيراً، كان أبطاله نساء تركن بصماتهن الكريمة على كثير من القضايا.
والنماذج المضيئة في هذا المجال يصعب حصرها، وجميعها تؤكد مدى الثقة الممتدة في مشورة المرأة للرجل، وأن وقوفها إلى جانبه يزيد من نضوج العمل المجتمعي ووصوله إلى مدارك الكمال المطلوب، ويعطي للعمل الاجتماعي، على اختلاف درجاته، مساحات من الوثوقية تضمن له النجاح الممتد، وذلك لأن التقاء نظرتي الرجل والمرأة في تناول القضايا التي تعترض الحياة اليومية، يسهم في دعم عمليات اتخاذ القرار، ويرفع من دقته وموضوعيته.
ونحن في دولة الإمارات نفخر بأن المرأة قد أخذت حظها من المساهمة المجتمعية النيرة ،عبر آرائها ومشاركاتها وحضورها في شتى الأصعدة والمستويات، وأثبتت جدارتها بالثقة الممنوحة لها، بل أكثر من ذلك، فقد جعلت من مشاركتها المجتمعية على اختلاف مستويات المشاركة، ميداناً رحباً لتقدم من خلاله أعلى درجات العطاء.
وتساهم في البناء الحضاري على أكمل الوجوه التي تتطلبها عملية البناء، وذلك بفضل القيادة الحكيمة التي تنظر إلى عظمة البناء في الجوهر الإنساني، رجلاً كان أو امرأة، وترتقي بالثقة فيه حتى لتجعل منه عماد الحضارة، بل وغاية الحضارة.
هذا الذي نقوله ونؤسس له تنظيراً لحقائق يعرفها الكثيرون، يمس من طرف خفي جوهر العلاقة بين الرجل والمرأة في هذا المجال، وما إذا كان الإصغاء إلى رأي المرأة في قضايا الحياة، صغرت أم كبرت، يشكل ندية للرجل أم أنه مفتاح التكامل والمشاركة التي تتطلبها العملية التنموية على الأصعدة كافة.
ولا بد من تأكيد هذه الحقيقة حتى تتغلغل في عمق النفوس، غير تاركة لأي شائبة في أن المرأة عون للرجل، حريصة على نسج علاقة التكامل في ظلال العمل المجتمعي، ولا تكرس من خلال تميزها أي أرضية للندية التي قد تهدد البنيان الاجتماعي إذا ما تركت على عواهنها، فنحن مع المشاركة وليس مع الندية.
ولا يشك أحد في أن بيئة المشاركة بين الرجل والمرأة، هي البيئة الخصبة للعمل الاجتماعي الناضج، الذي يحترم كفاءة الإنسان ومقدراته، ويتيح المجال أمامه ليدلي بدلوه ويقدم للحياة أفضل ما لديه.
مديرة تحرير مجلة «بنت الخليج»