بعد أن غاصت اقدام الجيوش الاجنبية في افغانستان والعراق والصومال وغيرها، عاد الحديث مرة اخرى عن معالجة (الجذور) المؤدية الى نشوء الارهاب العالمي، ومنذ حادث الحادي عشر من سبتمبر 2001 كان الحديث فقط عن الضرب في سويداء القلب وراح ملايين المدنيين من النساء والاطفال والشيوخ والشباب ضحية مغامرات عسكرية تحت راية محاربة الإرهاب العالمي، ورغم ان اصواتا عاقلة كثيرة رددت مرارا ان الخيار العسكري ليس هو الحل .
إلا ان قادة متطرفين نزاعين للقتل قاموا بتنفيذ ما يريدون وأرغموا السياسيين على تأييدهم او الصمت او اعتزال العمل السياسي، فغاب بذلك صوت العقل تماما عن الساحة ، وسادت مقولات خرقاء مثل: من ليس معنا فهو علينا ، بمعنى فهو عدونا وسوف نواجهه، والآن اصبح الجميع امام الحقيقة المجردة .
التي تقول ان السلاح لن يحل مشكلة الارهاب وانما العودة الى صوت العقل الذي توارى ، مع وضع برامج سياسية واقتصادية لمعالجة مشكلات تلك الشعوب الفقيرة التي تفرخ الإرهاب في ثناياها. ومؤتمرا لندن حول اليمن غدا وحول افغانستان بعد غد يشكلان بداية ملموسة لصوت العقل، بالتزامن مع المؤتمر الثلاثي في اسطنبول الذي ضم رؤساء افغانستان وباكستان وتركيا بحثا عن مخرج من الورطة التي وصلت إليها مسيرة الحرب على ما يسمى بالإرهاب العالمي.
لقد عانت هذه الدول طويلا من التهميش فلا يتذكرها احد إلا لمصلحة او منفعة ، وفي الوقت ذاته تضج المنتديات الدولية بعبارات براقة عن حقوق الانسان ، وتمسك الدول الغربية التي تقودها واشنطن في الحرب غير المقدسة هذه ، بهذه العبارات الرنانة لتحذير مشاعر الرأي العام العالمي وصرف انتباهه عن الويلات التي يلاقيها ابناء تلك الدول المنكوبة بتهمة رعاية الإرهاب والآن يطالب مكريستال قائد الجيوش المحاربة في افغانستان بالحوار مع طالبان وسيقدم الرئيس الافغاني لمؤتمر لندن بعد غد طلبا لشطب اسماء طالبان من قائمة الامم المتحدة للعقوبات ، حتى يمكن التفاوض معها ، وكان ذلك مرفوضا من قبل إنها ـ مع الأسف ـ عودة الى المقولة الشهيرة: إذا لم تستطع ان تقتل عدوك ففاوضه.
أي ان محاولة الانقاذ التي يعتزمها مؤتمر لندن ربما تكون جاءت متأخرة وتحت ضغط الخسائربعد ان تفرعت ذيول تنظيم القاعدة خارج افغانستان لتتواجد في اماكن عديدة من العالم.
الآن استدرك المغامرون انهم خاسرون ، فباكستان تطلب مشروع مارشال جديدا لانقاذ اقتصادها ، واليمن يطلب دعما ماليا ولوجستيا لمواجهة بؤر الإرهاب وقرضاي لا يملك ما يدير به العملية الانتخابية المقبلة فقررت اللجنة المشرفة على الانتخابات تأجيلها. فالتحركات العسكرية تهلك الحرث والنسل ولا توصل الى هدف حاسم ، فأين النصر النهائي الذي تحدث عنه المغامرون؟.
إن الامل كبير في ان يكون القادة الذين مولوا هذه العمليات العسكرية الحمقاء بمئات المليارات قد تعلموا الدرس وان يبادروا عبر مؤتمر لندن غدا الاربعاء وبعد غد الخميس الى رصد مليارات اقل مما انفق على الجيوش ، لكي تقوم بنية تحتية صلبة لعملية تنمية شاملة في البلاد الفقيرة.
انه استثمار امثل للمستقبل الآمن ، فيلجربوا بعزم وإصرار واخلاص هذه التجربة الجديدة.
وليطرحوا وراءهم مقولات اليمينيين الجدد في واشنطن الذين لاهم لهم إلا قتل الناس بالشبهات بذريعة حماية شعوبهم من (الإرهابيين المفترضين) وضرب المدنيين قبل المسلحين ثم الإدعاء بانهم إرهابيون.
