يحكى أن رجلا أوتي علما في هندسة البناء، فطفق يلف الأرض باحثا عن ما تهدّم ليقيمه بتؤدة الخبير وحكمة البصير، وفي رحلة البنائين نصَب لا بد منه وتعب متحصل من طول طريق حينا، ومن تعاسة مشهد أحيانا كثيرة، لكنه ماض وحاديه أن من لاح له الأجر هانت عليه التكاليف.
حل صاحبنا، وهو في هجرة منتهاها الرضى عن النفس، بقرية تتكئ على جبل ويحتضنها سهل ممتد تجري فيه أودية الخير الوفير والهواء العليل، الذي ينعش الغادين والرائحين بعطر الياسمين وقت الغروب.
عثر صاحبنا على ضالته ما إن دلف إلى القرية، وشاءت له الأقدار لقاء لم يخطر على بال ومهمة لم تكن في الحسبان، حيث استضافه أحد رجالات المكان على مائدة ذات شأن، وما أن أصغى له السمع حتى انفجر صاحب الدار بكلام له صليل السيوف، عن خلاف تمطى مع أخيه حتى صار جبلا يستحيل هده، ولا ثمة حل للأزمة إلا بفصل نهائي لا رجعة عنه.
الجدار العالي المتين المتجذر في اليابسة، هو الحل الوحيد الذي ارتآه الأخ الأكبر لكي لا يرى من بعده شقيقه الأصغر، ولتكن القطيعة والحصار نهاية لما حملته النفوس من سواد طمس روح الرحمة والأرحام.
ذهب صاحب المقام تاركا مهمة بناء الجدار العازل لصاحبنا، على أن يراه شامخا مع صبيحة اليوم التالي، وبين تخطيط وتهيئة مع أناة، شرع البناء في عمله دون كلل ولا سانحة ملل، عله ينتهي في الأوان المطلوب بصنعة محترف يتقن رص الأحجار.
نامت القرية في تلك الليلة وهي تنتظر غد السور العالي، وشق الفجر الصادق العتمة وارتحل السحر تاركا المكان لنهار جديد وضج الفضاء بصوت الساعين في دروب الحياة فبلابل تغرد فوق الغصون وأناس يسعون إلى أرزاقهم مع بواكير الصباح.
جاء الأخ الأكبر ليدشن الجدار «العظيم» ومعه ثلة من مستشاري الخراب، وهنا حدث ما لم يكن في الحسبان، فما أن انقشع ضباب حجب الرؤية حتى حين، فإذا بصغار أخيه يرسمون على محياهم ابتسامة شوق لعم افتقدوه منذ أمد بعيد.
حيث عبر الصبية جسرا بديعا أقيم بين الحدود، وارتمى الأخ الأصغر على صدر أخيه شاكرا له إقامة الجسر، رغم الجفوة التي دامت أمدا دون أمل في اللقاء.
وانشغل القوم بزغاريد الصلح، بينما شرع صاحبنا في ربط صرته مستأذنا للرحيل، واستوقفه أهل القرية راجين منه البقاء الدائم وهو صاحب الفضل في ردم الفجوة، لكن البنّاء أصر على الوداع قائلا: كنت أود المكوث، لكنني ذاهب لبناء جسور أخرى في مناحي الحياة.
أيها الرائعون كونوا بناة جسور للعابرين، وإياكم أن تشاركوا في بناء سور..
