تمثل القارة الإفريقية 2 .13% من سكان العالم، أي أنها تجاوزت المليار نسمة سنة 2009، بيد أنها لا تحقق سوى 3% من التجارة العالمية، ولا تجلب سوى 1% أو 2% من الاستثمارات الأجنبية المباشرة. وكانت إفريقيا مسرحاً لنحو 186 انقلابا عسكريا و26 حربا أهلية، خلال الخمسين سنة الماضية، ويوجد في القارة الإفريقية 20 مليون لاجئ.

منذ نهاية الاستقطاب الأيديولوجي والعسكري الحاد بين الغرب والشرق، بدأت إفريقيا تعيش إقبالاً متزايداً على الديمقراطية التعددية، بوصفها من الأحداث الكبرى في التاريخ الإفريقي المعاصر، حتى أن بعض الدارسين أطلق على تلك المرحلة «الاستقلال الثاني» اقتفاء بمرحلة التحرر الوطني في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي.

غير أن عقد التسعينيات شكل كابوساً حقيقياً لإفريقيا، إذ سقطت فيه القارة السمراء إلى الجحيم. فبعد أن هزمت الولايات المتحدة خصمها التقليدي الاتحاد السوفيتي، وأصبحت متغولة في ظل نظام القطب الواحد، اكتسح تيار العولمة الرأسمالية الجديدة مناطق مهمة من العالم ومنها القارة السوداء، التي اختنقت من جراء وصفات الليبرالية الجديدة المفروضة من قبل الدول الرأسمالية الغنية.

فقد نجم عن الإبادة الجماعية في روندا عام 1994، انتشار الحرب الأهلية والصراع الإقليمي (1996-2002) ليشمل منطقة البحيرات العظمى، مع نشوب الصراعات الإثنية والعسكرية شرق الكونغو الديمقراطية، بعد تسلم الأقلية التوتسية السلطة في رواندا بزعامة الجنرال بول كاغامي.

وفضلا عن ذلك، شهدت إفريقيا حروبا أهلية عديدة، وحوّل أمراء الحرب الذين دخلوا في سيرورة جهنمية من القتال تغذيها نزعة السيطرة على الثروات الباطنية، الأطفال الأفارقة إلى ماكينة للقتل (1989-2003).

فمن السودان والصومال إلى بوروندي وليبريا، وكوت ديفوار وأنغولا، تبدو إفريقيا غارقة في فسيفساء مستدامة من الحروب الأهلية، للسيطرة على الموارد والسلطة السياسية.

ومع ازدياد سرعة النقل والمواصلات واتساع الأسواق، وإزالة الحواجز أمام انتقال السلع والخدمات والأشخاص والمعلومات والأفكار، أصبحت عدة بلدان إفريقية صاعدة ذات علاقات وثيقة بواشنطن، تعتبر النموذج الأميركي مثالاً يحتذى به.

فتبنت عدة أنظمة إفريقية نموذج التعددية السياسية، الذي يندرج ضمن سياق إعادة تأهيل النظم القائمة، لا ضمن آفاق التحرر من نظام الحزب الواحد وبناء ديمقراطية فعلية.

ففي عدة بلدان إفريقية جنوبي الصحراء، تم تنصيب فئة «الذئاب الشابة» ممثلة الطبقة السياسية الجديدة، الحريصة جداً على الاغتناء بسرعة قبل إقالتها أو الإطاحة بها، والمتلهفة أيضاً «للسلطة من أجل السلطة» أكثر من أسلافها.

وبشكل عام، فإن اللعبة السياسية في تلك البلدان، ظلت محكومة بأساليب الأنظمة القديمة التي عرفت كيف تجتاز الأزمات السياسية منذ الاستقلال، ولم تعد ترى ضيراً من أن تعلن نفسها ديمقراطية، لكي يتطابق خطابها مع الخطاب السياسي الجديد السائد عالمياً ومفرداته حول حقوق الإنسان والديمقراطية.

وحده سقوط نظام الأبارتايد في جنوب إفريقيا عام 1994، الذي كان العامل المساعد لسقوطه تمثل في نهاية الحرب الباردة، هو الذي قدم بصيصاً من الأمل، من خلال إظهار انتصار العقلانية الإنسانية ونزعة المصالحة مع الذات.

ما يميز إفريقيا في بداية القرن الحادي والعشرين، هو سيطرة النزعة الاستبدادية، وعدم الاستقرار السياسي، ومعارضة السلطات السياسية الحاكمة من قبل أقليات مسلحة مستقوية بالخارج.

وخضوع اقتصادات البلدان الإفريقية لأعمال الخصخصة المتوحشة، وبرامج الإصلاح البنيوي المتفككة المتسارعة والبرامج الاجتماعية المقنعة، واستغلال اليد العاملة بشكل وقح، وأسعار المواد الأولية الزهيدة، والاحتيال والإجراءات التجارية التي لا مصلحة للبلدان الإفريقية فيها... إلخ.

والتدخلات الوحشية من الشركات الغربية متعددة الجنسية، ومن الشركات الآسيوية لشراء باطن الأرض الإفريقية الغنية بالنفط والمعادن النفيسة، وانفجار أزمة الديون، وانعدام الثقافة العامة بشكل مخيب لدى العديد من الزعماء السياسيين في القارة، وما ينتج عنه من عدم الرؤية (حتى على المدى المنظور)، وفساد الموظفين صغاراً وكباراً، وتهريب الأسلحة..

العيوب الكثيرة هذه أفضت إلى ضعف وتفكك القارة الإفريقية، لتكتشف بعد خمسين سنة من الاستقلال، أنها لا تزال تعيش حالة من الضعف الشديد، ودخلت في مرحلة الكولونيالية الجديدة.

كاتب تونسي

tawfik-m@scs-net. org