يشهد بعض النظم السياسية العربية وضعية تتسم بدور مميز في اتخاذ القرار، للقيادات الأمنية وأجهزة الأمن، إذ لم يعد جهاز الأمن يقوم بدور خفي ومكمل يساعد في تقديم المعلومات للحكومة فقط. فالشخصيات الأمنية تظهر بكثرة في وسائل الإعلام، وتكلف بمهام داخلية وخارجية حساسة ومفصلية.

وقد صاحب هذا الدور السياسي والدبلوماسي تغير في أساليب العمل، وهذا وضع طبيعي أن تتحول الأدوات والوسائل مع اختلاف الوظيفة والدور.

وأصبحت أجهزة الأمن هي الأكثر تأهيلا وخبرة علمية ونفوذا في مجالات جديدة، مثل الاعلام والاقتصاد والعلاقات العامة. ويعود هذا إلى الاهمية والاولوية التي أعطتها الحكومات لمنتسبي الأمن، كما يظهر في الميزانيات المفتوحة وفرص التدريب والتأهيل والسفر والترقيات، والامتيازات غير المحدودة.

وفي نفس الوقت شعر مسؤولو وخبراء الأمن أنهم من الممكن أن يقوموا بدور يتخطى «التجسس» على المواطنين وتخويفهم وقمعهم نيابة عن الفئة الحاكمة. فشرعوا في لعب دور الاستشارة، خاصة وقد احتكروا طرق الوصول إلى المعلومات وتحليلها.

ولم تعد أجهزة الأمن مجرد أداة تابعة تزود الحكومة بالمعلومات التي تمكنها من اداء مهامها واتخاذ القرارات، من خلال أجهزة الحكومات الخاصة، أي الوزارات والمصالح الحكومية.

وأصبحت أجهزة الأمن شريكة في الحكم والتنفيذ، اذ توجد عناصر أمنية أصيلة أو مجندة داخل كل الاجهزة الحكومية، في مواقع قيادية ومنتشرة في كل المواقع. وهذا ما يعبر عنه في السودان علانية بالإمساك بمفاصل الدولة.

ومع هذه التطورات صار الدور الامني، الحقيقي أو المتوهم، ولا فرق في ذلك فالمهم الأثر؛ قويا ونافذا وأكثر شمولا. وهكذا صار جهاز الأمن يحكم فعلا ولا يتحكم، والفرق هو أن الأجهزة الأمنية هي جزء أصيل في الحكم، وكأنها حزب سياسي في ائتلاف مع القوى الاخرى.

وهنا يتقدم دور الأمن ويتحكم في الوضع، لأن الدستور يتعطل والقانون لا يعمل، وتتحول له كل السلطات. ولكن الآن جهاز الأمن موجود بصورة دائمة ومستمرة، لأن مهمته ليست موسمية أو مؤقتة ولا ثانوية أو تابعة.

ولذلك، ما يعيشه كثير من الشعوب العربية، ليس ديمقراطية ولا ثيوقراطية ولا بلوتوقراطية (حكم الأثرياء)، ولكنه في جوهره ومضمونه أمنوـ قراطية، أي حكم الأمن أو أجهزة الأمن، من خلال شراكة أصيلة تكتسب شرعيتها المتفق عليها بين الحاكمين، من خلال الحماية والخدمات الطويلة التي قدمتها أجهزة الأمن.

وقد يجادل بعض رجال الأمن، خاصة في السودان، بأنهم السبب الحقيقي في بقاء النخبة السياسية الحاكمة، وقد آن الأوان لإنصافهم بتغيير موقعهم في سلم السلطة مع تنامي دورهم.

ويحتاج النموذج السوداني في الامنوقراطية إلى قدر أكبر من التحليل والتعمق. فهو يكاد يكون الحالة المثالية، بمعنى اشتماله على كل عناصر التعريف وتحديد المكونات المميزة للأمنوقراطية.

فالنظام السوداني الذي تأسس على الانقلاب العسكري في 30 يونيو 1989، كان يمثل حزب أقلية ضئيلة العدد وغير منتشرة شعبيا، واقتصر وجودها على بعض الجامعات. لذلك، حصلت في آخر انتخابات ومع كثير من التجاوزات على أقل من 6% من الأصوات في الدوائر الجغرافية، وجاء أغلب نوابها من دوائر الخريجين.

وبالتأكيد أنهم عندما استلموا السلطة بتلك السهولة المدهشة، واجههم السؤال: كيف نحكم ونحن أقلية تلك الأغلبية المسيسة؟ وكانت الاجابة بكثير من العنف والقمع، خاصة في المرحلة الأولى، لأن أي تساهل سوف يمثل انتحارا.

واستخدم النظام أقصى درجات وأشكال العنف بلا تأنيب ضمير أو ورع، فهم أصحاب رسالة مقدسة تبرر حمايتها أي وسيلة. وتبنى النظام مبدأ «الغاية تبرر الوسيلة» أو الوسائل.

وكان الاختيار مع غياب الجماهير والنقابات والاتحادات، وجود تنظيم سياسي قادر وكفء، هو جهاز الأمن.

ويصف أحد قيادييّ الجبهة الاسلامية، والذي تقلد منصب المستشار الاعلامي للنظام في لندن، د. عبد الوهاب الافندي، تلك البداية التي أسست للأمنوقراطية، بقوله: «.. الجهاز الوحيد الذي كان له من الانتشار والقدرة كي يتولى بعض مهام التنظيم السياسي، كان جهاز الأمن. فقد أعطي أولوية كبيرة لبناء أجهزة أمنية فعالة للأسباب التي أسلفنا.

وقد كانت هذه الأجهزة هي الوحيدة المطلعة على كافة ملابسات الوضع، والوحيدة التي تملك حرية الحركة الكاملة، والوحيدة القادرة على تأمين قنوات الاتصال بين جميع المراكز الفاعلة في النظام.

ومن هنا أصبحت الأجهزة الأمنية تلعب الدور الأكبر، ليس فقط على صعيد تأمين الحكم، بل أيضا على صعيد التنسيق السياسي». (كتاب: الثورة والإصلاح السياسي في السودان، لندن، 1995، ص46).

كانت هذه هي البداية وهذا هو الخيار الذي ارتضاه النظام لنفسه، جبرا في البداية، ولكنه لم يستطع منه فكاكا.

فقد تزايدت عليه الضغوط الخارجية والحصار ونشاط المعارضة، واستمرت الحاجة إلى الأمن مبررة بوجود أخطار حقيقية على النظام. وفي ذات الوقت لم يستطع النظام بناء تنظيم سياسي فعال أو خلق تأييد شعبي يكفيه شر الاعتماد على جهاز الأمن.

وازداد ضعف النظام بعد انقسام عام 1999 أو المفاصلة، والتي فقد بعدها منظّره ومفكره الأوحد. كما يمكن القول، إن جناح الترابي الذي أبعد عن السلطة، كان يحتوي على عناصر تميل أكثر إلى التنظير والكتابة والتنظيم السياسي، أكثر من العناصر التي بقيت في السلطة.

ومرة أخرى غلّب الجناح المنتصر والحاكم الآن، الاعتماد أكثر على الأمن والقوات النظامية. وكسبت الامنوقراطية بعد عام 2000 مكانة أعلى، وزادت الحاجة إلى تأييد عناصر الأمن في حزب مشطور ومشلول.

نشط أفراد الأمن وغيّروا أساليب العمل، وأهم مظاهر التغيير هو ظهورهم العلني في كل مناشط الحياة العامة. وهذا فرق كبير مع البلدان الأخرى، إذ من أهم شروط نجاح العمل الأمني السرية والكتمان والغموض.

وكان تدشين هذا السلوك الجديد، حين قام رجال جهاز الأمن بـ «زيارة» الأمين العام للحزب الشيوعي السوداني، محمد إبراهيم نقد، في مخبئه حيث كان مختفيا لسنين.

وظهر رجال الامن في أجهزة الإعلام وأدلوا بالتصريحات. وبعد ذلك تتالت دعوات جهاز الأمن للصحفيين والشخصيات العامة، للافطار في رمضان وفي المناسبات العامة، وتم تكريم بعض الفنانين والادباء بواسطة جهاز الأمن.

وكان د. الطيب إبراهيم محمد خير يسعى لاقامة علاقات عادية مع هذه الفئة، وهو على قمة الجهاز، ولم ينجح لأن الانتهاكات ما زالت حية وماثلة.

وتهتم الامنوقراطية كثيرا بهذا القطاع لمعرفتها بتأثيره على الناس. ويعتقد البعض أن الامنوقراطية تعمل بتركيز شديد، وسط الصحفيين والإعلاميين عموما.

كاتب سوداني

ssc_sudan@yahoo.com