من جملة الأمور التي طُرحت في بازار التداول السياسي اللبناني مؤخرا، مسألة السلاح الفلسطيني المزروع خارج حدود الشرعيّتين الرسميّتين اللبنانية والفلسطينية، وتحديدا ذلك الذي تسيطر عليه مجموعتا «فتح الانتفاضة» و«الجبهة الشعبية ـ القيادة العامة».

فقد بدا من حركة المواقف وردود الأفعال عليها، أن هذا الموضوع الحساس قد وضع على بساط البحث الجدّي، وبات مطلوبا على ما يبدو إيجاد صيغة ملائمة لتسويته، بما يحفظ كرامة الأطراف المعنية كافة، لا سيما الطرف اللبناني الذي بات «ينعم» أخيرا بشبه إجماع لرفض هذا السلاح، الذي كانت أهدافه ولا تزال غير واضحة المعالم، في حين أن هويّته معروفة.

ورغم حساسية الموقف الذي وجدت الأطراف المعنية نفسها متورطة في معالجته، فقد بات واضحا أن هذا الموضوع وصل إلى مرحلة حرجة، وبات من الضروري أن يحظى برعاية أكثر جدّية وأشمل من ذي قبل؛ فمعظم الظروف المطلوبة لملامسته قد نضجت على الأرجح.

بدءا من الالتفاف اللبناني حول مبدأ تكريس سيادة الدولة، مرورا بحالتي النفور والرفض التي يثيرها هذا السلاح على الصعيد الفلسطيني نفسه، بين القوى الرئيسية ذات الثقل التمثيلي الواضح، وانتهاء بمستجدات الحالة الإقليمية التي أفرزت هذا الوضع الشاذ في السابق، لكنها بدأت اليوم، على ما يبدو، تمارس حساباتها بشكل أفضل.

لا شك أن الوضع المحيط بهذا السلاح تحديدا، قد أثار كثيرا من التساؤلات، إن لم نقل الشبهات، حول الدور الحقيقي المناط به ضمن إطار اللعبة اللبنانية تحديدا. فما كان يشاع عن ارتباطاته بحسابات المواجهة الإقليمية الأوسع مع إسرائيل، لم يقنع كثيرين، خصوصا وأنه لم يثبت نفسه في هذه المواجهة عندما كان ذلك مطلوبا منه.

وكما كان يقول البعض في لبنان، فإن السلاح المذكور كان أشبه بالفزّاعة التي توضع عادة في حقول القمح لإخافة الطيور المهاجمة، في حين كان في الواقع مشلول الحركة تماما.

وهذا ليس تجنّياً على أحد، كما أنه ليس انحيازا أعمى للأطراف التي كانت تنتقد بشكل دائم تلك القواعد، لتطاولها على سيادة لبنان وإرادة شعبه.

فالتاريخ لا يرحم أحدا، ومن يعتقد أن مكانه النضالي محفوظ في سجلاّته، يجب أن لا يخاف عندئذ من تحمل المسؤولية عندما تكون مطلوبة منه.

وهي مطلوبة حتما اليوم من التنظيمين الفلسطينيين المذكورين تحديدا، نظرا للمغامرات الكثيرة التي سوّقا لها في السابق على الساحة اللبنانية، وتسبّبت في كثير من الخسائر المعنوية لكلا الشعبين، إن لم نقل لأوسع من ذلك بكثير.

باختصار، لقد بات ملحا تسوية ملف القواعد والأسلحة الفلسطينية خارج المخيمات، بشكل عادل ومنطقي يضمن الخروج من هذا الوضع الشاذ بأسرع وقت ممكن. فالوضع القائم اليوم لا يمكن أن ترضى بشبيه له فوق أراضيها أية دولة في العالم، ولا حتى تلك التي كانت حتى الماضي القريب راعية له ومُمعنة في الدفاع عنه.

وهو بات ملحا من أجل تحصين الساحة الفلسطينية أولا، الممزّقة بخلافات أبنائها من أقصى الوطن إلى أقاصي الشتات، والمشلولة بشكل تام عن تحمّل مسؤولياتها تجاه شعبها، والغارقة أبدا في حسابات إقليمية غير واضحة الأهداف والأبعاد.

فهل مطلوب أن نضيف إلى هذا الخليط الخطير مزيدا من الانقسام العربي؟

وهل الهدف هو العمل من أجل تأجيج مشاعر الكراهية والرفض للقضية الوطنية الفلسطينية بسبب ممارسات فردية يمارسها بعض الأطراف هنا أو هناك؟

لسنا في وارد الطعن في وطنية أو شرعية أي طرف فلسطيني مهما كان حجمه، فهذه مهمة الشعب الفلسطيني وحده ومؤسساته التي اختارها بنفسه لكي تمثّله في السرّاء والضرّاء، وهي حتما مسؤولية التاريخ الذي يحق له أن يختار الأبطال ويفنّد العابثين.

ما يهمّنا في كل هذا، هو أن يعي القائمون على تلك القواعد حجم الأخطار المحدقة بالمشروع الوطني الفلسطيني، وتاليا بالعلاقات الفلسطينية ـ اللبنانية ومن ثم الفلسطينية ـ العربية، والتي نتمنى أن تنمو وتزدهر لما فيه خير ومصلحة الشعب الفلسطيني أولا، لكي يكون قادرا على تحقيق أهدافه كافة المتمثلة باستعادة وطنه وبناء الدولة العصرية، بما يتلاءم مع آماله وتطلّعاته.

وفي هذا السياق فإن الجانب اللبناني مطالب بتحقيق جملة من الأمور التي قد تساهم في إيجاد حل ناجع لهذه الأزمة، وأوّلها أن يتعامل مع الأمر انطلاقا من حرص حقيقي على تعزيز علاقات الدولة اللبنانية مع كافة فصائل العمل الفلسطيني، دون أن يمارس أي تمييز بينها إلا بدرجة تعاطيها الإيجابي أو السلبي مع هذا الأمر.

وهذا لا يعني بأي شكل التساهل حيال القضايا والملفّات الحساسة والمصيرية، بل التأكيد على حسمها بحزم وإصرار، وخصوصا ما يمس منها السيادة الوطنية اللبنانية أو ما قد يثير مشاعر الحقد والكراهية.

وقد يكون مطلوبا في هذه المرحلة، تنسيق التحرك على أكثر من صعيد لتحقيق النتائج المرجوة: بين القوى اللبنانية كافة من جهة، ومع القوى الفلسطينية الحريصة على ترسيخ الشرعية اللبنانية من جهة أخرى، ورفد ذلك كلّه بالدعم الإقليمي والدولي.

وبكل تأكيد، فإن المطلوب أيضا وأيضا من الجانب اللبناني، هو البدء بمعالجة ملف العلاقات اللبنانية ـ الفلسطينية بشكل جدي وحقيقي، لا سيما ما يتعلق منها بأوضاع الفلسطينيين المقيمين في لبنان، المنتَقصة حقوقهم بشكل فاضح وخطير. فلم يعد مقبولا استمرار الوضع الاجتماعي السيئ للفلسطينيين، في بلد يوصف بأنه المدافع الأول عن قضيّتهم.

نعم، لم يعد إذلال الفلسطينيين في لبنان مقبولا بأي شكل من الأشكال.. وهذا توجه نأمل أن يكون من اليوم فصاعدا لبنانيا، قبل أن يكون فلسطينيا.

كاتب لبناني

ezzedine@vol.cz