الذهول، كلمة تعبر أيّما تعبير عن حالي عندما جئت إلى مصر من رحلة لأوروبا، حيث المناقشات العلمية والمستقبلية التي لا تقتصر على العلماء فحسب، بل تشارك فيها المجتمعات الغربية بكافة أطيافها، لأجدنا في أرض الكنانة نخوض في مسائل تافهة، تعمل على تسطيح الوعي وتغييبه، وفتاوى ترجعنا قرونا إلى الوراء.
إن ما يؤلمني هو أن أرى بلدا مثل مصر، صاحب حضارة عريقة وعظيمة، ينزلق إلى هذا المستوى من الجهل والتخلف.
ألم يكن أجدى بنا أن نتباحث حول السبل الكفيلة ببناء مستقبل مشرق، من خلال البحث العلمي والإبداع والابتكار والعمل الجاد الدؤوب، عوضا عن تضييع وقتنا الثمين في مسائل أقل ما يقال عنها إنها تافهة لا تسمن ولا تغني من جوع.
إن مصر والدول النامية بشكل عام، تعيش في مأساة عميقة للغاية، ولمعرفة أبعادها فإنه تجدر الإشارة إلى أن قارة مثل أوروبا المتقدمة علميا وتكنولوجيا وفكريا واقتصاديا، قد قامت بتشكيل لجنة تضم علماء حائزين على جائزة نوبل ومتخصصين، للنظر في مشكلة تدني البحث العلمي هناك، وبالطبع لا مجال للمقارنة بينهم وبين الدول النامية مجتمعة، وليس مصر وحدها.
وتكمن أهمية المعرفة في أن العالم يعيش الآن في عصر جديد، تغير فيه تصور التصنيع والتقدم الذي كان سائدا في الماضي، لتنبع كل الثورات الآن من المستوى المعرفي الجديد، أو التكنولوجيا التي أصبحت تميز المجتمعات المتقدمة عن تلك المتخلفة أو النامية.
ولقد حدثت في دول مثل الولايات المتحدة واليابان وأوروبا وحتى الصين، تحولات عميقة جدا في المجتمعات، تتماشى مع هذه الثورة التي لا تقل في أهميتها عن سابقتيها؛ الزراعية والصناعية.
وتعد الثورة المعرفية في مرحلة نهاية البداية، إلا أن من أهم ظواهرها سرعة التغيير، فالكم المعرفي يتضاعف كل 18 شهرا، وهناك الآن فروع كاملة من العلم لم تكن موجودة قبل عشر سنوات، وإذا استمر الحال على ما هو عليه، فإن الهوة ستتضاعف بشكل مخيف بين الدول النامية والمتقدمة.
وفي هذا الإطار تجب الإشارة إلى أن الهوة متسعة أساسا في الفترة الحالية، فكيف بها مستقبلا! وللتدليل على ذلك، فإننا يجب أن نذكر أن دخل الفرد في الدول الغنية يساوي 40 ضعف نظيره في الدول الفقيرة، في حين يبلغ نصيب الفرد مما تنفقه الدول المتقدمة على البحث العلمي 220 ضعف نصيب الفرد مما تنفقه مثيلتها المتخلفة.
وتواجه مصر وغيرها من الدول النامية، عدة مشكلات تتعلق بتطوير القدرة العلمية والمعرفية وتشجيع المدارس والجامعات على البحث والإبداع والابتكار، بالإضافة إلى توافر القدرة المجتمعية على التعرف على الاكتشافات والمبادرات الجديدة، ووجود حضّانات تحول الفكرة العلمية إلى تكنولوجيا وتطبيق حقيقي في المجتمع.
ولا يخفى على أحد أن عالمنا العربي والإسلامي يعيش وضعا سيئا للغاية، ففي السنوات الثلاث الماضية، سجلت الدول الصناعية 98% من براءات الاختراع، بينما كان نصيب الدول النامية 2% فقط، منها 95% سجلتها الصين والهند وجنوب إفريقيا والمكسيك والبرازيل.
وهناك تقرير مهم تم تقديمه للأمم المتحدة عام 2004 وكنت أحد المشاركين في إعداده، أثبت أن مشكلة البحث العلمي في الدول المتخلفة ليست في التمويل الذي جاء في آخر قائمة الأسباب.
وإنما في السياسة العلمية والعلاقة المتبادلة بين العلم والمجتمع وتنمية القوى البشرية، من المرحلة الابتدائية إلى ما بعد الدكتوراه، واستقلالية المؤسسات البحثية والعلاقة بين القطاع الخاص والعام، حيث إن القطاع الخاص يمثل ثلثي البحث العلمي في العالم، وأخيرا التمويل.
ولا يمكن أن تنفصل الثورة المعرفية والتكنولوجية عن حرية التعبير والديمقراطية، ومطلوب منّا كمواطنين المشاركة والتفاعل الإيجابي، إذ إن هناك العديد من المشكلات التي تواجه تلك الثورة، وأولها الإدارة.
فمن المسؤول عن إدارة العملية ككل؟ أو بعبارة أخرى «من يملك الإنترنت»؟ أما المشكلة الأخرى فتتعلق بالخصوصية، إلى جانب التمركز والاحتكار في النظام الجديد، كالمعركة التي نشأت بين شركتي «مايكروسوفت» و«نت سكيب».
وسرعة التغيير في كل أوجه المعرفة، تتحدى الفكر الإنساني والمفهوم الاجتماعي للتشريع، فالقوانين لا تستطيع اللحاق بركب التطورات المعرفية الجديدة، ولا ننسى دور القطاع الخاص الذي يمول ثلثي البحث العلمي في العالم.
ففي الماضي، على سبيل المثال، كان هناك علم نظري وآخر تجريبي، إلا أنه في السنوات العشر الفائتة ظهر نوع ثالث من العلم، وهو المحاكاة عن طريق الحاسب الآلي «الكمبيوتر سيميوليشن»، وميزته أنه يمكن من عمل تجارب افتراضية ومعرفة نتائجها من خلال برامج معينة، دون القيام بتلك التجارب على أرض الواقع، وبالتالي يكون التأثير السلبي محدودا.
وقد استطاعت الولايات المتحدة بالفعل أن تجري تجارب نووية باستخدام برامج محاكاة بالحاسب الآلي، دون القيام بتفجيرات فعلية كما كان يحدث قديما.
وفي مكتبة الإسكندرية، نعترف بوجود النوع الثالث من العلم، ونعمل في هذا الإطار على دعم العلماء المحليين كي يستطيعوا أن يعملوا مع أقرانهم في أوروبا وأميركا واليابان، من خلال بناء البنية التحتية اللازمة، والتي تتكون من مكتبة فيها 25 ألف دورية، وقاعات قراءة وحاسب آلي ووسائط متعددة، وسعة كمبيوترية هائلة، ومركز تحليل ووحدات تخزين كبيرة، وأيضا فإن لدينا سرعة اتصال كبيرة عبر الإنترنت.
إلا أن المشكلة تكمن في أن هذه السرعة مقارنة بالشبكة التي تربط بين أوروبا والولايات المتحدة مثلا، لا تساوي شيئا تقريبا، فالأخيرة تقدر سرعتها بـ 10000 ميغا بايت، بينما في المكتبة تقدر بـ 155 ميغا بايت. ولذا فإننا نعمل مع وزارة الاتصالات لرفع كفاءة الاتصال وتحسين مستواه، كي تستطيع المكتبة القيام بدورها التنويري والحضاري، ليس في مصر وحدها بل في العالم أجمع. لكن ما هو دور المجتمع المصري من كل ما يحدث؟
أين هو من مناقشة سياسة البحث العلمي؟! إذا لم نستطع أن نغير حالة التقهقر الفكري والجمود والتخلف التي يعيشها المجتمع، فإننا لن نستطيع القيام بالدور المنوط بنا لخدمة هذا الوطن والأمة جمعاء.
إن أبلغ ما يمكن أن يعبر عن وضعنا الراهن هو البيت الشعري: «ذو العلم يشقى في النعيم بعلمه، وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم».
إن لدينا إسهاما يجب أن نقوم به في هذا العالم، يتطلب منا الاشتراك في معركة نكون أو لا نكون، والتي لا تقل في أهميتها عن معارك التحرر الوطني إبان الاستعمار، كي نستعيد حقنا في الحياة ونفسح المجال للأجيال المقبلة.
مدير مكتبة الإسكندرية
