مما لاشك فيه أن الوحدة الوطنية في مصر هي إحدي سمات المجتمع المصري المستقرة‏,‏ إلا أنه من الخطورة البالغة التهويل في حجم الخطر الذي يتهدد هذه الوحدة‏,‏ الأمر المؤكد أن ثمة رياحا تهب من حين لآخر تهدد مسيرة التناغم بين عنصري الأمة‏,

‏ كما أن الرئيس حسني مبارك علي حق عندما يرفع صوته بالتحذير المتكرر في الآونة الأخيرة من مخاطر المساس بوحدة الشعب‏,‏ والوقيعة بين مسلميه وأقباطه‏,‏ وهدد مبارك بقوة أنه لن يتم التعاون مع من يحاول النيل من الوحدة الوطنية أو الإساءة إليها‏.‏

وكشف الرئيس مبارك بلا مواربة عن أن التصدي للإرهاب والتطرف والتحريض الطائفي يمثل تحديا رئيسيا للأمن القومي‏.‏

ووضع مبارك يده علي المسألة الحيوية في الأمر كله‏,‏ وسبل التصدي لهذا الخطر‏,‏ فقد دعا الرئيس إلي ضرورة توجيه خطاب ديني مستنير من رجال الأزهر والكنيسة‏,‏ يدعمه نظام تعليمي‏,‏ والإعلام والكتاب والمثقفون ليؤكد قيم المواطنة‏,‏ وأن الدين لله والوطن للجميع‏.‏

ومن الواضح أن القضية تهدد الجميع‏,‏ وأن التصدي لها يتطلب تضافر جهود جميع المؤسسات والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني‏,‏ والأهم والأخطر إدراك المواطن العادي أن عالمه البسيط الآمن سوف يتهددإذا ما ترك نفسه عرضة للتحريض الطائفي‏.‏

مصر لا تعيش في جزيرة منعزلة بعيدا عن عالمها‏,‏ فمن المؤكد أنها تتعرض لرياح كثيرة مسمومة تأتيها من الشرق والغرب‏,‏ ولذا فإنه يخطيء من يتغاضي عن تصاعد النوازع الطائفية من حولنا في المنطقة العربية‏,‏ وإفريقيا‏,‏ والعالم ما بين محاولات لإشعال الفتن بين أبناء الشعب الواحد‏,‏ ودعوات للمحاصصة‏,‏ وأحداث للعنف والاقتتال‏,‏ وإراقة الدماء‏,‏ وأمثلة نشهدها للاستقواء بالخارج‏,‏ وأخري للتدخل الخارجي تصب الزيت علي النار‏,‏ وتعمل وفق مصالحها وأجنداتها‏.‏

وليس من قبيل المبالغة التنبيه إلي خطورة الأجندات الأجنبية‏,‏ ولا الرؤي التي لا تناسب مصالحنا القومية القادمة من الخارج‏,‏ وهذه الأفكار الملغومة والمسمومة لا تعكس نيات طيبة تريد الخير بالمجتمع المصري‏,‏ كما أن بعض هذه القوي التي تقف وراء تلك الدعوات الهدامة والتحريض غير البرئ ضد التناغم المصري لا تفعل ذلك دون حسابات دقيقة‏.‏

فأغلب الظن أن أهم عناصر القوة المصرية تكمن في هذه الوحدة الوطنية التي تصدت لاختبار الزمن ومحاولات متعددة لتخريبها في أثناء الاحتلال البريطاني وما بعده‏.‏

ويبقي أننا يتعين أن نتعامل بجدية مع أعز ما نملك‏,‏ وهو وحدتنا‏,‏ وأن ندرك جميعا أننا في مركب واحد‏,‏ وأنه إذا ما هدد مسيرتنا شيء فإن العواقب السيئة سوف تصيب الجميع ولن تترك أحدا‏,‏ والشيء المؤكد أن الشعور بالأمن الذي لا يدانيه أي شيء آخر يتعين أن نحافظ عليه‏,‏ لأنه لو تسرب من بين أيدينا فإن خسارتنا فادحة‏.

وليس هناك أجمل من مقولة البابا شنودة الخالدة‏:‏ إن مصر ليست وطنا نعيش فيه‏,‏ ولكنها وطن يعيش فينا‏,‏ ولذا علينا جميعا أن نحافظ علي هذه الرؤية الجميلة التي أبقت الوطن آمنا مستقرا بفضل حالة الحب والتناغم بين عنصري الأمة‏.‏