قد يخالف كثيرون عنوان المقال الذي يتحدث عن المال، وقد يعتقد بعضهم أننا نوجه الاتهامات للمال كونه لا يصلح الأبناء، في الوقت الذي يتمنى فيه كثيرون تلك الأموال ليطعموا أبناءهم أو يكسونهم أو ليدفعوا أقساطاً تعليمية لمدارسهم، ومعهم الحق في أمنياتهم المشروعة تلك، والتي تبتعد كثيراً عن الأمنيات التي أصبح بعضنا يلبيها لأبنائه بالمال، ليصبح أداة تنحرف بسلوكياتهم، بل تعرضهم لكثير من المخاطر، ومع ذلك يستمر التدفق المالي عليهم، وكأن هذا المال هو الأداة الوحيدة للتعبير عن الحب، في حين إن تقنينه هو الدليل الأكثر صدقاً على حبنا لهم، والخوف عليهم والاستثمار في مستقبلهم.

مناسبة حديثنا هي المظاهر التي بتنا نرى الأبناء غارقين فيها، لاسيما ونحن نتحدث عن أطفال وفتيان لم يتعدوا مرحلة المراهقة. فالواحد من هؤلاء أصبح يملك أفضل هاتف ذكي، يستقبل ويرسل به رسائله الالكترونية، وأغلبها لا تخرج عن رسائل ترفيه، يتسلى بها.

وأصبح معظم الأبناء يمتلك أفخم سيارة يقودها سائق يسير به في طرقات المدينة، بناءً على أوامره وتوجيهاته، ويمتد الأمر إلى قيادة السيارة، ولو كان غير حاصل على رخصة القيادة، فالسائق يعمل لديه ومجبر على تنفيذ أوامره، ومستعد أكثر للتضحية بحياته، إذا ما أراد الشاب تجربة قيادة السيارة تحت إشرافه.

ونتيجة لكل ما سبق من ترف مالي وحرية لا حدود لها أصبح هؤلاء الأطفال والمراهقين منشغلين بالبحث عن آخر صيحات الموضة ودور الأزياء، ومنشغلين أكثر بمشاهدة ومتابعة آخر انتاجات دور الأفلام والسينما، وفي أنشطة أخرى بصورة لم نعد نفهمها أو حتى نستوعبها جعلت معظم ساعات يومهم بين مكالمات ومراسلات من خلال هواتف ذكية وأجهزة حاسوب أو بلقاءات مباشرة مع أقرانهم، ليقل في النهاية نصيب مستقبلهم والإعداد له لأنهم أهملوا تعليمهم وأهملوا تطوير مهاراتهم وتهذيب ذواتهم، يوم انغمسوا في اهتمامات هامشية لا قيمة لها، ولا يمكن أن تكون بعوائد ينتظرها وطنهم أو حتى أسرهم، ما يؤكد مقولتنا التي نذهب بها إلى أن المال - بكل تأكيد - أصبح أداة تفسد الأبناء لا أداة تصلح أحوالهم.

فلماذا نقبل كآباء وأمهات تهميش أبنائنا؟ ولماذا نسلط أموالنا عليهم لتقتل الجدوى منهم؟ الإجابة عن هذا السؤال تكمن في شجاعة كل منا في طرحه على نفسه ليجد مواطن الضعف والقوة في تربيته لأبنائه، إن لم يكن للنأي بهم عن أخطار أوجدناها في طريقهم، فمن أجل إرضاء ضمائرنا أمام الله عز وجل قبل أنفسنا ومجتمعاتنا. وهو المأمول والمنتظر.

maysaghadeer@yahoo.com