كل هذا التخوف من هروب «التمويل» من نيويورك ولندن، بسبب الأعباء الناجمة عن القيود والضوابط، أو النمو خارج العالم المتقدم، هو تخوف في غير موضعه. فالمصرفيون يحبون الشكوى من الضوابط، والتهديد بالانتقال إلى مكان آخر، أما تنفيذ ذلك فهو أمر أصعب كثيراً.
وإيقاع التغيير البطيء ينطبق بصفة خاصة على الموقع العضوي للأسواق المالية الكبرى، والحقيقة القائلة إن سنغافورة تقوم بعمليات تأمين على السندات في عام بعينه، أكبر من تلك التي تقوم بها لندن، لا تعني أنها ستتجاوز عاصمة الضباب عما قريب.
ومنذ عام 1600 كانت هناك ثلاثة مراكز مالية كبرى، هي أمستردام ولندن ونيويورك، مع محاولة من باريس للدخول في هذا الإطار في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، والانتقالات السريعة والهائلة في طريقة القيام بالوساطة المالية تعد غير واقعية.
ورأس المال يمكن توليده في أي مكان، على سبيل المثال في مصانع الصين وعبر نفط الشرق الأوسط، ولكن الوساطة في ما يتعلق برأس المال، تحتاج إلى مجموعة من الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية الخاصة لتزدهر فيها.
وعلى صعيد هيكلي، فإن رؤوس الأموال التي تستخدم في التمويل بنجاح، تقتضي نظماً قانونية مستقرة ونظماً سياسية راسخة، وضبطاً فعالاً وغير مسيس للفساد، ومستويات منخفضة من القلاقل الاجتماعية والصراع العنيف، وقوى عمل كبيرة محيت أميتها إلى حد كبير، وقاعدة اقتصادية كبيرة لاستدامة الأنشطة المالية، وتوجهاً سياسياً ليبرالياً يرحب بتدفقات الناس والسلع ورأس المال عبر الحدود.
وباستثناء الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وسويسرا، فإن طوكيو وحدها هي التي تلبي هذه المقتضيات كلها. ولكن اليابان تتسم بعناصر من اقتصاد مغلق يفتقر إلى توجه دولي، على نحو ما نجد في مستوى متواضع من التميز في التعامل باللغة الإنجليزية.
وإذا تصدعت الصناعة المالية في المملكة المتحدة بصورة حقيقية، هو أمر وارد، فإن جانباً منها سوف ينتقل إلى مناطق أخرى، حيث ستحظى نيويورك بالجانب الأكبر من الفائدة في مثل هذه الحالة. وإذا قررت الولايات المتحدة فرض ضوابط صارمة فيما لم تقرر أوروبا ذلك، وهو أمر أقل احتمالاً بكثير، فسوف نشهد تفرقاً أوسع نطاقاً، حيث ستختار الدول الأصغر الأنشطة الأكثر فائدة والأعلى في المخاطر، ومنها صناديق التحوط. ولكن في الجانب الأعظم، فإن المؤسسات المالية الكبرى ستبقى على ما هي عليه، وتتذمر، وتحاول التملص من القيود التي ستثقلها بها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة.
وفي غضون ذلك، فإن الولايات المتحدة ستواصل المضي بعجز كبير مع عوائد ضرائب خفضتها الأزمة، ومستويات عالية من الإنفاق وخطوات محدودة لزيادة العائد مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي. وبينما لدى إدارة أوباما خطط كبيرة للمسؤولية المالية، فإن جانباً كبيراً منها يصعب تمريره في الكونغرس، بينما أجزاء أخرى هي بمثابة خفة يد سياسية تقليدية. ومع ذهاب الصينيين إلى القول إن العالم يحتاج إلى عملة احتياطي جديدة، وقيام الهنود بشراء الذهب، هل يؤمن أحد بالدولار؟
نعم، ولكن من المهم البدء بإدراك أن القيمة النسبية للدولار ووضعية عملة الاحتياطي، أمران مترابطان، ولكنهما قابلان للانفصال. والدولار الأضعف يمكن أن يظل عملة الاحتياطي الأولى، كما شهدنا على امتداد العقود الستة الماضية. ومكانة الدولار باعتباره عملة الاحتياطي العالمية، أقوى بكثير من التعليقات التي تدور حول هذا الموضوع. وإذا أردنا التنويع على مقولة شهيرة لتشرشل، لذهبنا إلى القول إن وضعية الدولار هي الأسوأ من بين العملات المتقدمة على امتداد العالم.. باستثناء كل العملات الأخرى.
وفي الوقت الحالي، إذا كان هناك ضعف في الدولار، فإن ذلك يرجع في جانب منه إلى أن الولايات المتحدة تريد دولاراً ضعيفاً لتحقيق ازدهار صادراتها، حيث إن الاستهلاك الداخلي سيظل ضعيفاً لبعض الوقت. وفي المدى البعيد، فإن النمو السكاني الأميركي، والجذب من جانب التعليم العالي، والميل إلى التجديد، والصدارة العسكرية المتواصلة، والاستقرار السياسي الكامن والحجم الكبير ذاته، كل ذلك سيكفل استمرار الدولار باعتباره عملة الاحتياطي العالمية الأكثر بروزاً.
هذا لا يعني القول إنه ليس هناك ضعف هيكلي، فبمضي الوقت إذا أفلحت الصين في تدبر أمر التحديات التي تواجهها بنجاح، فإن اليوان سيعلو شأنه في القيمة وفي الاستخدام. ولكن في المستقبل المنظور، حتى إذا انخفضت القيمة النسبية للدولار، فإن دوره كعملة احتياطية سيظل على حاله في العقد المقبل، وربما بعد ذلك بوقت طويل أيضاً.
رئيس مجموعة يوراشيا للاستشارات السياسية