من قال إن لدينا أزمة اقتصادية؟ من قال إن لدينا أزمة سكن؟ من قال إن لدينا أزمة قروض شخصية؟ من قال إن لدينا أزمة بطالة بين المواطنين؟
كل هذه إشاعات ودعايات مغرضة، الهدف منها النيل من سمعة الإمارات وأهلها، وتصوير مجتمع الإمارات على أنه مجتمع فقير ينافس الدول الإفريقية في المجاعات التي تعاني منها، والدليل على ذلك العباءة التي خطفت الأنظار، خلال الأمسية الإماراتية التي رعتها سيدات الأعمال في إحدى إمارات الدولة الأسبوع الماضي، وشملت عروضاً فنية وإبداعية لمصممات إماراتيات وعربيات قدمن أحدث الصيحات في الموضة والمجوهرات، وأعدنا قراءة خبرها أكثر من مرة لنصدق عيوننا وتستوعبه عقولنا.
يقول الخبر الذي نشرته إحدى الصحف المحلية ـ وليست صحيفة أجنبية مغرضة كما جرت العادة ـ إن ثمن العباءة بلغ مليوناً و200 ألف درهم، وإن مصممتها رصعتها بالذهب والألماس وسبعة كيلوجرامات من اللؤلؤ، ثم توقف الخبر عن سرد المزيد رأفة بأعصابنا التي قد لا تتحمل أكثر من هذا، مكتفياً بالقول إنها قد أذهلت الحضور، لينعطف إلى تفاصيل أخرى بعد أن تلقينا الصدمة، وعلى كل واحد منا أن يتعامل معها بالطريقة التي تناسب تفكيره وعقليته، وجيبه أيضاً.
ولأننا ديمقراطيون ومنفتحون، نحترم كل الطبقات والثقافات الأخرى والآراء المعارضة، سنقول إن هناك من سيرى في العباءة المليونية أمراً عادياً لا يثير الدهشة والاستغراب، ولا الذهول الذي تصورته محررة الخبر وتوقعت أنه قد أصاب الحضور، فماذا يعني مليون و200 ألف درهم مقابل عباءة فاخرة مثل هذه، سوف تلبسها مقتنيتها في حفل زواج أو مناسبة مدعوة إليها مرة واحدة لتغيظ الحاضرات، ثم تضعها في خزنة الملابس لتكون مقرها الأبدي.
حيث لا يصح أن يراها أحد عليها مرة ثانية في مناسبة أخرى، لتبدأ رحلة البحث عن عباءة جديدة ربما يكون ثمنها أغلى من هذه العباءة، نظراً لزيادة الإقبال على هذا النوع من العباءات وقلة المعروض منها؟
هذا وارد طالما أن هناك من يصمم عباءة بهذه القيمة ويضمن أنه سيجد لها زبوناً، ووارد أيضاً أن هناك من سيمسك بالآلة الحاسبة، مثلما فعلنا نحن، ليبدأ عمليات حسابية بسيطة، ربما لا تكون مجدية لكنها للتنفيس ليس إلا، كأن يفترض أن هناك موظفاً محترماً راتبه 10 آلاف درهم في الشهر، أراد أن يشتري هذه العباءة الفاخرة ليهديها زوجته في عيد زواجهما العاشر، بعد أن تهرب طوال السنوات العشر الماضية من الاحتفال بهذه المناسبة مدعياً أن الاحتفال بأعياد الزواج ليس من الشريعة، وأن هذا العيد ليس من أعياد المسلمين المعروفة، تملصاً من الهدية، هذا الموظف سيجد مطلوباً منه أن يعمل 10 سنوات متواصلة دون انقطاع، ودون أن ينفق فلساً واحداً، ليوفر ثمن العباءة لزوجته الصابرة المحتسبة.
عباءة فاخرة مرصعة بالذهب والألماس واللؤلؤ يفوق سعرها المليون درهم، وسيارات فاخرة تصل أسعارها لعدة ملايين من الدراهم، وموبايلات فاخرة تنتجها أشهر دور الأزياء العالمية لتجد لها رواجاً في منطقتنا.. ظاهرة محيرة في مجتمع تصدمنا فيه ملاحق الصحف الاقتصادية كل يوم بارتفاع مؤشر أرقام القروض الشخصية، وتطالعنا فيه كل يوم صفحات الحوادث بازدياد قضايا الشيكات المرتجعة.
وتوجع قلوبنا فيه صور أسقف البيوت التي تقع على رؤوس ساكنيها، وتدمع أعيننا فيه أصوات المحتاجين عبر برامج البث المباشر وتلك المتخصصة في تلقي الحالات الإنسانية ومد يد العون لها، من خلال الجمعيات الخيرية والمحسنين الذين لا يترددون في مساعدة المعوزين وفك أزماتهم. ظاهرة محيرة، ليس لأن مجتمع الإمارات ـ لا سمح الله ـ فقير إلى الدرجة التي تدعونا إلى تصويره على نحو يدعو إلى الشفقة والرأفة.
فقد حبانا الله تعالى بنعم كثيرة يغبطنا عليها الكثير من الشعوب الأخرى، لكن النعمة تقتضي الشكر والمحافظة عليها، ولا نعتقد أن من شكر النعم التبذير وإنفاقها في غير وجوهها، لا لغرض سوى المباهاة الفارغة والنفخة الكاذبة والمظاهر الخادعة.
ربما لا يعني المليون و200 ألف درهم شيئاً لمن يملك الملايين والمليارات، لكنه يعني الكثير لشاب يبدأ حياته ويخطط للزواج والمسكن والسيارة وأشياء كثيرة هي من متطلبات الحياة الأساسية، وليست ترفاً يمكن الاستغناء عنه، وهو يعني الكثير لرب أسرة محدود الدخل، يتبخر راتبه قبل نهاية الأسبوع الأول من الشهر، تلاحقه فواتير الكهرباء والاتصالات وأقساط المدارس والسيارات وديون البنوك والخيرين من الأصدقاء والبقالات.
هو يعني الكثير، ليس لأنه مبلغ كبير بالفعل للغالبية العظمى من البشر، ولكن لأنه سينفق على مظهر لن يغير كثيراً من الجوهر، إذا لم يكن هذا الجوهر سليماً قبل ارتداء العباءة وبعدها.
رفقاً بنا يا سيدات الأعمال، في زمن انتشرت فيه جمعيات الرفق بالحيوان، وفي عصر أصبح الرفق فيه عملاً إنسانياً من الدرجة الأولى، فربما كنا بحاجة إلى إعادة تأهيل كي نستوعب ما قدمتموه لنا في أمسيتكم الفاخرة، التي تعجز عقولنا عن استيعاب ما حوته من متناقضات جمعت بين العباءة المليونية وأطفال مركز الرعاية والتأهيل، الذين نتمنى أن يكون ريع الأمسية قد ذهب لصالحهم، كي تدحض العباءة الإشاعة، وكي يعود إلينا صوابنا الذي كدنا نفقده أو فقدناه فعلاً.