يسألني صاحبي ماذا تفعل لو تسلمت وزارة الثقافة؟ وأسرع للإجابة بأنني لا أصلح لمهام السياسة والإدارة، فكيف بالوزارة! ثم أعود فاستدرك بالقول؛ لو كنت وزيراً للثقافة، أو على الأقل لو استشرت في هذا الشأن، لاقترحت تغييراً في استراتيجية العمل الثقافي، غير ما هو جارٍ في أغلب وزارات الثقافة أو المجالس الثقافية العليا التي تهتم بدعم أهل القطاع الثقافي، من أدباء وفنانين وعلماء ومفكرين، عبر حفلات التكريم وجوائز التقدير الرمزية والمادية، أو عبر رعاية وتشجيع الأنشطة الثقافية المختلفة، من مسارح ومعارض وندوات ومؤتمرات..

هذا جانب يستحق الاهتمام، وخاصةً قضية القراءة التي هي ذات مستوى متدنٍ في البلدان العربية، قياساً على مستواها، ليس فقط في البلدان الغربية أو في اليابان، بل في بلدان أخرى كانت تعتبر متخلفة، فإذا بها تحرز تقدماً في هذا المجال.

ولكن هناك جانبا آخر يستحق الاهتمام من وزراء الثقافة، يتعلق بالثقافة بمعناها الأصلي، بما هي مشاع لكل الناس، لأنه لا أحد إلا وله حظ من الثقافة أكانت شفهية أم كتابية، أو هو ثمرة لثقافة معينة بأنساقها ورموزها ومعاييرها. من هنا فإن استخدام عبارة «مثقف» لتصنيف العاملين في الإنتاج الفكري والرمزي، تنطوي على إجحاف بحق الناس عموماً. إنها قسمة جائرة، خاصةً اليوم حيث تردم الهوّة بين أهل العمل الفكري والعمل اليدوي، بعد أن أصبح العمل يعتمد على المعرفة قبل العضلة، ولأنه لم يعد يوجد أشخاص لا يملكون حظاً من المعرفة في عصر المعلومة.

أياً يكن، ما من أحد يعرى من ثقافة يصنع بها حياته على نحوٍ من الأنحاء. وهذا شأن الاجتماع البشري. إنه ليس مجرد معطى طبيعي، وإنما هو يصنع ويبنى ويجري تشكيله وتحويله بالثقافة. ولذا فالحياة بين الناس، ليست مجرد خضوع لمنطق الطبيعة وآلياتها الحتمية. إنها عمل على الطبيعة بالتفكر والتخيل، بالجهد والمراس، بالعمل والتدخل، بالابتكار والإبداع، على سبيل التركيب والتجاوز والتحويل، أو على سبيل التهذيب والتحسين والتجميل.

لهذا لا أقصد بالثقافة هنا النتاج العلمي والتقني، على الرغم من أهميته الفائقة على حياة البشر ومصائر المجتمعات، إيجاباً أو سلباً، نفعاً أو ضرراً. وإنما أقصد بالثقافة، بنوع خاص، معانيها الأخرى المتصلة بالأبعاد الجمالية والجوانب الذوقية، كما يعيشها المرء في وجوده اليومي، المحسوس، وكما تتجلى في سكنه وعمله وأمكنة تواجده. على هذا الصعيد، ما نفتقر إليه هو الجمال والذوق والرهافة والحسّ المدني، ذلك أن آفات التشوه ومظاهر البشاعة هي الطاغية، سواء في الفضاء العمومي أو في المشهد المديني.

وأول هذه التشوهات أننا بتنا نعيش في مدن تفتقر الى النظافة، وتصفع النظر فيها أكوام النفايات في الشوارع. ثمة تراجع في هذا الخصوص عما كان عليه الأمر قبل عقود، إذ كانت النفايات تجمع من البيوت قبل شروق الشمس، أما اليوم فإنها تجمع من الشوارع في أوقات النهار.

يضاف إلى ذلك أن الناس تهتم بنظافة بيوتها، ولكنها لا تكترث بنظافة الشارع والأمكنة العامة، بل هي حيث تحل تخلف نفاياتها، على شاطئ البحر، أو على ضفاف النهر، أو في الغابات في أعلى الجبال. ناهيك عن مشاريع الاستثمار التي تفتك بالطبيعة وتشوه جمالها، أو تعمل على تصحيرها بتقليص المساحات الخضراء، لكي نعيش في مدن هي كُتل إسمنتية من غير حدائق أو جنائن. فكيف بالذين لا يتورعون عن رمي نفايات المعامل الضارة أو السامة في مجاري الأنهار! وكل ذلك يحدث بعكس الشعار القائل: النظافة من الإيمان، سيما بعد أن تحول الإيمان إلى عصاب وإرهاب وجنون.

والوجه الآخر لهذه الآفة هو التلوث بمعناه الرمزي، حيث الصور والرموز والاعلانات والشعارات تملأ الجدران والساحات. هنا أيضاً ثمة ما يصفع النظر إلى حد يكاد يعمي البصر.

من الآفات أيضاً الضجيج والضوضاء عبر مكبرات الصوت، سواء لنقل خطب الدعاة والوعاظ، أو لبث خطب الزعماء والقادة، أو بإطلاق الرصاص في المناسبات، أكانت عرساً أم حجاً أم استشهاداً أم نيلاً لشهادة...

وأنا أتساءل أحياناً ما الحاجة إلى أن يعلو صوت الخطيب إلى خارج المسجد لكي يصل الى حد الصياح أو الصراخ بلغة التهديد والوعيد؟! ما الحاجة إلى أن تلعلع مكبرات الصوت في الأجواء، بما يشبه القصف العشوائي للآذان؟! إن الأرقى هو أن يدعو المرء أو أن يجادل بالتي هي أحسن، فيخفض صوته لكي تعلو حجته. فكيف إذا كان الواحد لا يمتلك مفاتيح الحقيقة!

هذا القصف بالصوت ومكبراته، لا يقتصر على المساجد والمحافل، وإنما يمارس أحياناً ببث خطب الرؤساء والقادة، في سيارات تتجول في الشوارع والأحياء. وهذا ليس دليل قوة، بل هو دليل ضعف في الرأي، فضلاً عن أن مخاطبة الناس على هذا النحو وبهذه الوسيلة، تشكل اعتداء رمزياً على الفضاء العمومي.

وقد ظن صاحبي أنني أعارض بعض الساسة على شعاراتهم التي قد تكون العدالة أو السيادة أو الشراكة، أو حتى المقاومة، فقلت له بأنني أعارضهم في أمرٍ آخر قد يجده البعض نافلاً، ولكنه في نظري مهم جداً، أعني أن أتباعهم يبثون خطبهم عبر مكبرات الصوت في شوارع المدينة، وهذا نقيض السلوك المدني والحضاري. ومن هذا القبيل ما يقوم به أولئك الشبان الذين يسمعون الأغاني في سياراتهم بأصواتٍ عالية، أو عبر مكبراتٍ تُحدث أصواتاً تشبه دوي المدافع.

ما أعرضه من آفات وتشوهات تنغص العيش وتؤذي الذوق وتجرح الحواس، لا تسأل عنه وزارة الثقافة وحدها، وإنما تشاركها في المسؤولية وزارات التربية والبيئة والسياحة والداخلية. ومع ذلك فإن لوزارة الثقافة دورها، فالجمال لا يقتصر على الإنتاج الفني والأدبي، وإنما يتجلى في سلوك أو أسلوب أو نمط العيش. قد يبدع الواحد عملاً فنياً أو أدبياً لكي يمارس نجوميته أو أحاديته، وربما همجيته، من هنا يمكن لوزارة الثقافة أن ترعى ندوات تهتم بثقافة الجمال وصناعة الحياة الجميلة.

وأنا أتساءل دوما: ما نفع كل الشعارات المرفوعة، سواء تعلق الأمر بالحرية والديمقراطية أو الإسلام والعروبة أو مجتمع المعرفة، إذا كانت لا تساعدنا على أن نعيش في مدينة نظيفة، هادئة، آمنة، جميلة؟!

كاتب ومفكر لبناني

harb@cyberia.net.lb