المنهج العلمي بات من ضرورات التعليم على اختلاف مراحله، في ظل ثورة معلوماتية تعبر دون حسيب أو رقيب الفضاء المفتوح، لتؤسس لنظام عالمي جديد يفتقر إلى الأصول العلمية الأخلاقية والمنطقية، الأمر الذي يحتم علينا في جميع دولنا العربية والإسلامية، تنشئة أجيالنا وفق أبجديات المنطق وأسس المنهج العلمي، ليكونوا خط الدفاع الأول في مواجهة الغزو الثقافي الغربي، وتداعيات عصر العولمة بما فيه من أفكار تتعارض مع قيمنا وثقافتنا وعاداتنا وتقاليدنا العربية الإسلامية.
ومما لا شك فيه أن هناك صلة قوية بين جميع العلوم الإنسانية، من منطلق أنها تتجه جميعها إلى دراسة موضوع واحد، هو الإنسان، ولكن كل علم منها يستقل بدراسة جانب من جوانبه.. ويعد الكندي أول فلاسفة العرب الذين عبروا عن العلاقة بين الدين والفلسفة في كتابه «رسالة إلى المعتصم بالله»، حينما أوضح أن الفلسفة هي علم الأشياء بحقائقها بقدر الطاقة الإنسانية، وأن غرض الفيلسوف من علمه وعمله، هو إصابة الحق.
في حين أوضح الإمام الغزالي العلاقة بين الدين والفلسفة بقوله: «اعلم أن العقل لن يهتدي إلا بالشرع، والشرع لن يتبين إلا بالعقل، فالعقل كالأساس والشرع كالبناء، ولن يغني أساس ما لم يكن بناء.. ولم يثبت بناء ما لم يكن أساسا، ومعنى ذلك أن العقل بدون شريعة لا قيمة له، وإن ثبتت الشريعة يستلزم العقل، فكلاهما ضروري للآخر».
ومن الفلاسفة العرب في مختلف العلوم ابن خلدون في علم الاجتماع، وجابر بن حيان في الفيزياء والمنطق، والخوارزمي في الجبر، وابن سينا في الطب، والفارابي، والمواردي، وابن تيمية في الفلسفة وأصول الدين وغيرهم الكثير الكثير، الذين أسسوا لهذه العلوم، التي استفاد الغرب منها ومن التقدم العلمي الذي حققه العرب والمسلمون، ولا أحد يجهل أن ابن خلدون هو المؤسس الحقيقي لعلم الاجتماع والتاريخ.
كذلك فإن قواعد المنهج التجريبى لدى «فرانسيس بيكون»، وجدت كاملة فى الابحاث العلمية عند مفكري الاسلام. كما أن مكتشف «الدورة الدموية» هو ابن النفيس العربي، وليس «هارفي» كما يدعي الغرب.
من هنا يحاول علماء المسلمون وأساتذة الجامعات في العالم العربي والإسلامي جاهدين، إبراز المعطيات والمعتقدات الإسلامية والموروث الفكري الإسلامي في المناهج الدراسية، وذلك لمواجهة الغزو الفكري الغربي، وخاصة التحديات التي تفرضها العولمة بتداعياتها الخطيرة على الثقافة الإسلامية في مجالات العلوم، خاصة الإنسانية والاجتماعية.
كما يركز علماء الإسلام على دراسة وتنشيط حركة التحقيق والنشر للتراث الإسلامي، وذلك بإخراج ما تحويه المكتبات العربية المليئة بكنوز ونوادرالمخطوطات العلمية القيمة، في مختلف فروع المعرفة الإنسانية. لذا لابد من التذكير بالدور المهم لعلم الفلسفة والمنطق في ظهور علم الرياضيات، ووضع أسس وقواعد المنهج العلمي.
وكما هو معروف علمياً، فإن المنطق هو العلم الذي يضع المبادئ الضرورية التي تضمن صحة التفكير عند الإنسان، وهو الذي يخاطب العقل الإنساني، ومن هنا تحضرني مقولة الفيلسوف الشهير ديكارت: «أنا أفكر، إذن أنا موجود».
ومن أشهر العبارات التي قالها أبو حيان التوحيدي نقلاً عن أستاذه أبي سليمان السجستاني: «النحو منطق عربي، والمنطق نحو عقلي، ولولا أن الكمال غير مستطاع لكان يجب أن يكون المنطق نحوياً والنحو منطقياً».
يقول كلاوس يورجين غروين أستاذ الفلسفة (الألماني) في إحدى جامعات فرانكفورت: «إن الفلسفة من الممكن أن تساعد الناس على التكيف مع مجتمع التعددية». فالأشخاص الذين يفكرون بعمق ويسألون أسئلة ثاقبة لا تخدعهم الإجابات البسيطة.
وقد شعر الخبراء الاقتصاديون بالفضول تجاه تجارب غروين العملية، حيث قال كونت أوجوستينوس هينكل، وهو خبير مالي في مدينة دوسلدورف: «من الممكن أن تكون الفلسفة هي أقرب شيء لتقييم الإجماع، إذ إنها شيء يحتاجه هذا النظام رغم تحرره».
فأي شخص في مجتمع الاقتصاد الحر يهدف إلى تحقيق نتائج براغماتية، يدرك إن آجلاً أو عاجلاً أن حقيقة هذا الاقتصاد ليست في الأرقام والبيانات فحسب. ويقول: «إن الإدارة الآن لها وظيفة نموذجية، وينبغي إتقانها من الناحية النظرية. ولن يضير أحداً قط أن يغترف من الفلسفة».
ويرى غروين أن الفلسفة ينبغي أن تقوم بدور العلم الذي يؤهل للحياة المهنية. ويؤكد أن «زيادة الخطاب الفلسفي في الحياة اليومية، لن تكون بالأمر الضار».
وتحظى خطط البروفيسور باستحسان الرئيس الجديد لجامعة فرانكفورت رودولف شتاينبرغ. ففي ورقة تتحدث عن مستقبل الجامعة، طالب شتاينبرغ بدمج المعهد بالمجتمع العلمي، قائلاً: «ينبغي أن لا تكون الجامعة مقصورة على تعليم ما قبل التخرج، بل يجب أيضاً أن تغطي احتياجات الدراسات العليا»، مشيراً إلى أنه يتوجب على الناس في ظل الاقتصاد الحديث أن «يشجعوا أنفسهم باستمرار على الدراسة من جديد».
نعم.. ينبغي أن تقوم الفلسفة بدور العلم الذي يؤهل للحياة المهنية، ونحن بحاجة ماسة في استراتيجياتنا التعليمية في الدول العربية والإسلامية، إلى حجر أساس في تنشئة أبنائنا الطلبة على اختلاف مراحلهم الدراسية، على أبجديات المنطق، كي يتأثر تفكيرهم وسلوكهم بقواعد وأسس المنهج العلمي، لأنه من اللوازم المهمة التي يجب أن تكون خط دفاع، لدى جيل اليوم وأجيال المستقبل.
كاتبة إماراتية