مع نهاية العام الأول للرئيس الأميركي باراك أوباما، تبدو الصورة مخيبة لآمال الذين انتظروا منه المعجزات. صحيح أن الرجل أنجز الكثير من أجل تغيير الصورة البشعة لبلاده، التي ورثها عن سلفه الرئيس السابق بوش، وصحيح أنه وضع أسس التخلي عن سياسة الطموح إلى الاستئثار بحكم العالم، وبدأ السعي لشراكة مع القوى الكبرى (وفي مقدمتها الصين) من أجل التعاون في إدارة العالم.
وصحيح، أيضاً، أنه أطلق عدة مبادرات تجاه العالمين العربي والإسلامي، في محاولة للخروج الآمن من العراق، وإنهاء الصدام الذي يهدد بحرب دينية مدمرة، وأنه اعتمد سياسة التهدئة والحوار مع إيران، دون استبعاد العقوبات أو استخدام القوة كحل أخير..
والأهم بالنسبة لنا هو إطلاق عملية سلام في المنطقة، تعتمد على ضرورة حل القضية الفلسطينية باعتبارها محور الاستقرار في المنطقة.
لكن ذلك كله اصطدم بتداعيات الأزمة المالية والاقتصادية التي أورثها له بوش، والتي كانت تهدد بانهيار كامل للاقتصاد الأميركي، كما اصطدم بيمين أميركي لم يفقد شراسته، رغم هزيمته في الانتخابات، وظل مترابطاً في مقاومة سياسات أوباما التي اعتبرها في الداخل جنوحاً نحو الاشتراكية أو الشيوعية، في ما يتعلق بتدخل الدولة لوقف الانهيار المالي أو لاعتماد برنامج الإصلاحات الصحية.
كما اعتبرها، بالنسبة للخارج، تعبيراً عن ضعف يغري قوى التطرف و«الإرهاب» بتصعيد عملياتها، ويغري دولاً مثل إيران على التشدد، ويعرض الأمن القومي الأميركي للخطر في مواجهة قوى دولية منافسة، تسعى لزيادة تأثيرها ونفوذها على حساب أميركا.
وما يهمنا هنا هو الموقف بالنسبة للقضايا العربية، بعد هذا العام المخيب للآمال من ولاية أوباما، والذي بدأ بإعلان أميركي صارم عن ضرورة وقف إسرائيل لكل الأنشطة الاستيطانية في كل الأراضي المحتلة عام 67، بما فيها القدس الشرقية، كمقدمة ضرورية لبدء مفاوضات جادة وحاسمة على قضايا الحل النهائي.
وها هو هذا العام ينتهي وقد ابتلعت الإدارة الأميركية مطالبها الحاسمة، وخضعت لابتزاز حكومة نتانياهو الذي راهن منذ البداية على حسم الأمر لصالحه في الداخل الأميركي، ومن خلال السطوة الصهيونية في الكونغرس المنحاز لإسرائيل، فكان له ما أراد..
وها هو المبعوث الأميركي ميتشيل يحتفل بالذكرى الأولى لتوليه مهمته مع بداية عهد أوباما، بجولة جديدة في المنطقة، لمواصلة الضغط على الطرف الفلسطيني لاستئناف المفاوضات دون شروط (أي بشروط إسرائيل في الحقيقة)، بينما إسرائيل تصعد من موقفها الرافض لأي سلام حقيقي، والذي يقبل الحديث عن حل الدولتين ثم يفرغه من كل محتوى..
فلم يعد المطلوب فقط إخراج القدس من أي حديث جاد، ولا إضفاء الشرعية على مستوطنات الضفة الغربية وضمها لإسرائيل، تحت ذريعة «مبادلة الأراضي» التي تعطي لإسرائيل ما تريده من مواقع استراتيجية، تضمن لها السيطرة على المياه وتقطيع أوصال الضفة، مقابل أراض قاحلة هي في الأصل أيضاً أرض فلسطينية محتلة قبل 67، بل أصبح المطلوب هو الإقرار قبل التفاوض (إن تم)، ليس فقط بالتخلي عن حق العودة، بل أيضاً بيهودية دولة إسرائيل، التي يعني تحويل عرب 48 إلى جالية أجنبية مهددة بالطرد في أي وقت..
ثم ها هو نتانياهو يعلن أن إسرائيل ستبقى في الضفة، حتى بعد التوصل لاتفاق سلام مع الفلسطينيين! وأن السيطرة على المنطقة الحدودية مع الأردن ونشر قوات إسرائيلية فيها، أمر لا بد منه في أي حل قادم!
أي شيء يبقى من حقوق الفلسطينيين؟ وأي شيء يبقى من معالم الدولة إذا تم ذلك؟ وهل هناك شك في أن العملية انتهت قبل أن تبدأ، وأن المطلوب فقط ـ من جانب إسرائيل ـ هو أن يتم استهلاك الوقت لهذه الشهور القادمة.
وبعدها ستكون هناك انتخابات تشريعية أميركية ومعها سيطوى أي حديث عن القضية الفلسطينية، وسيكون الحصول على رضا إسرائيل هو هدف الإدارة الأميركية، وليس الضغط عليها كما كان يأمل المتفائلون العرب؟!
الآن يتحدث بعض الأطراف العربية عن «خطابات ضمان»، تحاول الحصول عليها من أميركا لاستئناف التفاوض على أساسها. وبغض النظر عن الجدل السخيف حول من سبق الآخر من تلك الأطراف في طلب الضمانات، فإن أميركا لن تمنح ضمانات حقيقية، وإذا منحت للفلسطينيين شيئاً من الضمانات فستلغيها بضمانات مقابلة للإسرائيليين، ولو كانت لهذه الضمانات جدوى لتم تنفيذ ما سبق من ضمانات، كان آخرها في خريطة الطريق.
في المقابل، يستمر الضغط على أبو مازن لاستئناف المفاوضات، ويتفق نتانياهو مع الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز في نصيحة أبو مازن بأن ينزل عن الشجرة التي صعد إليها بعد الوعود الأميركية التي تم التراجع عنها، وأن يدخل المفاوضات بالشروط الإسرائيلية.
والحقيقة ان أبو مازن ليس وحده الذي صعد الشجرة.. فقد صعد معه الكثيرون من الفلسطينيين والعرب، وهم مطالبون الآن بالنزول من الشجرة، ولكن ليس إلى التفاوض بشروط إسرائيل، بل إلى بناء موقف فلسطيني وعربي يدرك حقيقة الأوضاع ولا يغرق في الأوهام، ويفهم أن السلام مستحيل مع هذه الحكومة الإسرائيلية العنصرية، وأن موقف أوباما سيزداد تراجعاً في مواجهتها هذا العام.
وأن الحل الحقيقي لن يأتي إلا حين يفرضه العالم على إسرائيل، وحين يكون العرب في موقف يملك التأثير على مصالح القوى الكبرى فتتحرك دفاعاً عن مصالحها.. وهنا فقط تنتهي لعبة طلوع الشجرة بآمال كاذبة، والنزول عنها بالمزيد من الخيبة والمزيد من التنازلات!!
كاتب صحفي مصري
