صحيح أنه لا أحد يضيف جديدا بالقول إن شعب جزيرة هايتي الكاريبية معتاد على الكوارث الطبيعية والسياسية، بحيث لا يكاد يخمد نزاع سياسي حتى يشتعل بركان طبيعي، وما أن يخرج مستعمر حتى يقتحم الموقف آخر، وما أن تهدأ عاصفة هوجاء حتى يعم جوع فتاك.

صحيح أنها غارقة في ظلمة فقر مدقع منذ عقود أو قرون، إلا أن الزلزال الأخير الذي ضربها وأتى على كل ما يتنفس فيها لن يكون منقطع النظير من الناحية الطبيعية فحسب، بل إن تبعاته السياسية القادمة على متن ما يبدو مساعدات إنسانية تقدمها القوى العظمى في العالم، وعلى رأسها الولايات المتحدة وفرنسا لسكان الجزيرة المنكوبين من شأنها أن تطيل من عمر شتى أصناف التدخل الأجنبي حتى إشعار آخر.

عملا بالمثل القائل مصائب قوم عند قوم فوائد، راح صراع تلك القوى على النفوذ في تلك المنطقة من العالم يتجدد متلحفا الذئب هذه المرة بعباءة المساعدات الإنسانية، واللعب على أوتار وجع الناس في هاييتي.

فأصبحت فرنسا ساركوزي حفيد المستعمر الكبير بونابرت غيورة على مصالحهم الحيوية، وراحت تطالب واشنطن بتقنين تدخلها «الإنساني» في الجزيرة المنكوبة ووضع عنوان له، معربة عن مخاوف تراودها تشير بإصبع الاتهام للجانب الأميركي، وتقول إنه بصدد تحويل هذه التدخل الإنساني إلى تدخل عسكري جيوسياسي قد يطول أمده.

عذر أقبح من ذنب، فلقد تناست باريس بموقفها المستهجن هذا تاريخها الاستعماري، الذي لا يقل دموية عن التدخل الأميركي المتواصل حول العالم، بما في ذلك هايتي نفسها، التي ضرب فيها الاستعمار الفرنسي غير مر خلال القرنين الماضيين.

صحيح أن واشنطن دعت إلى توحيد جهود جماعية برازيلية كندية أميركية لإنقاذ ما يمكن إنقاذ ه مما خلفه الزلزال المدمر، إلا أنها تدعو إلى ذلك في حين تمارس في الوقت نفسه سياسة أمر واقع.

وهي تنقل أجزاء لا يستهان بها من آلتها العسكرية إلى قلب الجزيرة، تحت شعار المساعدات الإنسانية التي يغلفها لون أسود داكن تنبعث منه رائحة مطامع قديمة متجددة، رائحة تزداد عفونة إذا أخذنا في الاعتبار أن هاييتي هي أقرب أرض لجزيرة أخرى تدعى كوبا.

bassil@albayan.ae