بعد قرابة نصف قرن من «الحرب الباردة» بين المعسكرين، الغربي الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، والشرقي (الاشتراكي ـ الشيوعي) الذي كان يقوده الاتحاد السوفييتي، اعتقد الكثيرون أن انتهاء تلك الحرب، بسقوط القوة السوفييتية عام 1991 وانهيار المعسكر الذي كان دائراً في فلكها، سيؤدي بالتداعي إلى انتهاء ما ارتبط بها ونتج عنها من انعكاسات وتداعيات إقليمية ودولية.

كثيراً ما كانت تتجلى في حروب ساخنة «صغيرة» بالوكالة، أو نزاعات مختلفة الأنواع والأحجام (بالوكالة أيضاً) في مناطق التنافس والصراع على النفوذ والمصالح بين المعسكرين.

ورغم الإقرار بأن صراع المصالح والمنافع والتنافس عليهما، جزء أصيل في طبيعة الكائن البشري، إلا أن «الحرب الباردة» بالصورة التي عرفت عليها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية (1945)، لم تعد قائمة وليس من المرجح أن تعود.

لكن يبدو أن البعض في أنحاء مختلفة من العالم، بما في ذلك منطقتنا العربية، مازال «ينام في الهم»، وليس العسل، ولم يعلم بعدُ أن تلك الحرب أصبحت من الماضي، أو أنه لم يستطع الخروج من انعدام جاذبية «الفراغ» الذي خلفته.. فانعدام الجاذبية، كالجاذبية تماما، له قوانينه وسلطانه أيضاً!

وربما رأى البعض في انهيار أحد طرفي الحرب الباردة وإنهاك الطرف الآخر، الذي لم يكد يخرج من تلك الحرب حتى دخل في حروب أخرى متعددة وباهظة التكلفة، فرصة لاستنساخ «حروب باردة» صغيرة، على مستويات إقليمية أو أقل من إقليمية، تناسب حجمه وقدراته.

ولعل هذا أحد أسباب استمرار بعض النزاعات في مناطق مختلفة من العالم، رغم أنها بدأت في أجواء الحرب الباردة، وربما كانت أحد تجلياتها.

وتعتبر قضية الصحراء الغربية أحد النزاعات التي يصعب النظر إليها خارج هذا السياق. فقد نشأت عام 1975، بعد انسحاب المستعمر السابق (اسبانيا) من ذلك الشريط الجغرافي الضيق (266 كم2).

حيث يلتقي محيط الرمال الصحراوي مع محيط المياه الأطلسي. وتقع غالبيتها الآن تحت سيطرة المغرب، بينما هنالك جزء بسيط ملاصق للحدود الجزائرية، تسيطر عليه جبهة البوليساريو المطالبة باستقلال الصحراء، بدعم من الجزائر.

ورغم كل الجهود والمحاولات الإقليمية والدولية، وجولات المفاوضات العديدة، لا تزال عقدة الصحراء تقف في حلق المنطقة المغاربية كلها، وتعرقل أي جهد جماعي مشترك بين دول المغرب العربي، بل إن تأثيراتها السلبية الكثيرة والكبيرة، تجاوزت مستوى الدول والحكومات، لتصبح هما شخصيا وعبئا مباشرا على كاهل كل فرد من مواطني الدول المغاربية.

فإلى متى ستظل هذه العقدة دون حل؟ ولماذا لم تستطع الدولتان الرئيسيتان في المنطقة، المغرب والجزائر، إيجاد طريقة ما لتجاوزها حتى الآن؟ وأين الدور المغاربي الجماعي في هذا السبيل؟ وما هي الخيارات الممكنة للوصول إلى حل كامل ونهائي؟!

إن وجود قائد بمكانة وخبرة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة وتجربته السياسية والدبلوماسية الطويلة، وفي وقت يتولى فيه الحكم في المغرب الملك محمد السادس، بما يحمله من روح الشباب ومكانة معرفية واسعة وعميقة وتجربة سياسية بدأها في عهد والده الراحل الحسن الثاني، كل ذلك كان مبعث أمل وتفاؤل بأن تجد قضية الصحراء حلا توافقيا، يضمن لكل طرف حقوقه ومصالحه، ويخرج منطقة المغرب العربي من «السجن الانفرادي» الذي فرضته عليها هذه القضية وتداعياتها.

ورغم مرور سنوات عديدة لم يتم استثمارها بقدر ما كان متوقعا، إلا أن الأمل يظل قائما بحل واقعي وعملي، سلمي وسليم، يخرج المنطقة وأهلها من هذا النفق الضيق المظلم، إذ إن البدائل الأخرى ستكون كارثية على الجميع.

فلا يمكن استمرار الوضع على ما هو عليه إلى ما لا نهاية، كما أن الحل العسكري غير ممكن بأي صورة من الصور، إذ العودة إلى الحرب مجددا، لن ينتج عنها سوى الدمار والخراب لسكان الصحراء أنفسهم بالدرجة الأولى، ولكل سكان المنطقة دون استثناء.

فضلا عن ضياع أي فرصة للتنمية والاعمار لمدى طويل لا يمكن تصوره!

وإذا كان لا بد من «حرب باردة» أو تنافس في المنطقة، فلتكن «حرب بناء» وتنافسا شريفا في من يبني أكثر وأسرع، ومن يحقق، قبل غيره، للمغرب العربي وحدته وأمنه واستقراره.

لقد خسرت المنطقة زمنا طويلا وفرصا كثيرة، لتحقيق نمو وتطور تمتلك الكثير من الوسائل والإمكانيات للوصول إليهما، ولم يعد لديها الوقت ولا القدرة لتحمل المزيد من الخسائر والوقت الضائع.

altilimity@hotmail.com