مرت الذكرى الثانية والتسعون لميلاد الزعيم العربي جمال عبدالناصر، مؤخراً، حاملة معها مجالاً رحباً للتفكير في مجموعة من القضايا، التي ربما تتصل بالماضي، لكنها يقيناً تمد الجسور إلى المستقبل، وتدعو كل من يعنيهم العمل العام إلى استلهام الدروس من الماضي، لتحقيق إضاءة أفضل للطريق إلى المستقبل.
بداية، تقفز إلى الذهن، ربما بصورة فورية، مجموعة من النقاط المهمة، التي ينعكس جانب من أهميتها في استمرارية قدرتها على إثارة الجدل وإثراء النقاش: أولاً ـ يرى الكثيرون أنه لابد من التمييز بين عبدالناصر والناصرية. فقد كان الزعيم العربي ابن لقاء فريد بين لحظة تاريخية في مسار الحياة في مصر وطموحات شرائح نشطة من الطبقة المتوسطة المصرية وشخصية كارزمية لها قدرتها الفذة على التفاعل والتأثير والعطاء السياسي، بينما شكلت الناصرية تياراً هادراً انطلق في الحياة العربية، متجاوزاً أرض مصر، وتاركاً بصمة نادرة المثال في تاريخ الأمم.
ثانياً ـ في إطار الناصرية نفسها، يشدد العديد من الباحثين على أنه لابد من التمييز بين الحركة السياسية من ناحية وبين الرؤية الأيديولوجية من ناحية أخرى. وبين أيدينا اليوم مجمل الأعمال والوثائق التي تشكل الجسم الأساسي لهذه الرؤية، ابتداءً من كتاب «فلسفة الثورة»، وامتداداً إلى «الميثاق» و«بيان 30 مارس» و«محاضر محادثات الوحدة»، وليس انتهاءً بمجموعة خطب عبدالناصر.
أما محطات الحركة السياسية، فهي من ناحية منقوشة في الذاكرة الجمعية للأمة، ومن ناحية أخرى لا يزال يتعين إلقاء الضوء على بعض أسرارها، التي لا يزال يكتنفها الغموض. ومن المحزن أن كتاباً مهما مثل «عبدالناصر محارباً» كان من تأليف باحثة أجنبية، هي لورا جيمس، ولا يزال بعيداً عن أيدي القراء العرب، بعد أربعة أعوام من صدوره.
ثالثاً ـ يحتدم الخلاف بين الكثيرين حول نهاية الناصرية، فهناك من يرفض الحديث أصلاً عن نهايتها، باعتبار أن دماءها تتدفق حارة في عروق الكثير من الأحزاب والمنظمات والتحالفات، على حين يشير غيرهم إلى أن الخامس من يونيو 1967 كان ساحة النهاية، ويذهب آخرون إلى أن النهاية ارتبطت بصراع الخامس عشر من مايو وبروز ما يسمونه بالجمهورية الثانية.
رابعاً ـ هناك من يشدد على أن الحضور الحقيقي للناصرية يتمثل في قدرتها على أن تنير الطريق إلى المستقبل العربي، بغض النظر عن الهوية السياسية لمن يقوم بمهمة الرائد على هذا الطريق.
هذه النقاط، المثيرة للجدل بطبيعتها، لابد أن تقودنا إلى التساؤل عن طبيعة صلة عبدالناصر والناصرية بالمستقبل العربي. من المحقق أن الجسور التي يتعين على العرب مدها إلى المستقبل ستجد في مجمل التجربة الناصرية ساحة تستلهم منها ما ينير جوانب هذا المستقبل، بغض النظر عن تأثيرها في تشكيل ملامح هذا المستقبل في نهاية المطاف.
هذه الإنارة تبدو أقوى ما تكون في التشديد على الطبيعة الكفاحية للمسيرة العربية نحو المستقبل، فوضعية الأمة العربية في المرحلة الراهنة هي من الانكسار والتشظي.
بحيث أن ما تحدث عنه رئيس تحرير صحيفة عربية بارزة مؤخراً من أن المرحلة المقبلة هي مرحلة التقاط أنفاس هو ترف لا تملكه أمتنا، فالشعوب لا تستطيع أن تأخذ إجازة من التحديات ولا عطلة من قدرها، وإنما مصالحها القومية، وفي مقدمتها ما يتعلق بأمنها القومي، تفرض عليها مواصلة مسيرتها بروح كفاحية، ترفض الانكسار، وتأبى أن تقبل به قدراً ومصيراً.
وهذه الإنارة أيضاً تفرض على المسيرة العربية ضرورة أن تندرج في إطار مشروع واضح الأهداف والملامح، وهو ما لا نجده اليوم ولو في الحدود الدنيا في عالمنا العربي.
وربما كان أهم مشعل تتركه لنا التجربة الناصرية هو أن أي نهوض للمستقبل، إنما يكون انبعاثاً بالناس، وحركة بهم، واستناداً إلى وعيهم وحسهم النضالي، والناس يعيشون على أرض واقع تحدد من حيث الزمان والمكان.
وبالتالي فإن أي تطوير ينبغي أن ينعكس على حياتهم، فليس من المعقول أن تزيد «الكعكة الاقتصادية» بينما يتقلص نصيب الفقراء منها بشدة، وهم الذين يشكلون الغالبية الكاسحة من الناس في المجتمع.
هذا يصب، على الفور، في صميم التجربة الناصرية، في تكريس قيمة العدالة الاجتماعية، لأنه بغيرها يمكن أن تتحول الشوارع إلى مخاضات دماء، إن لم يكن إلى مستنقعات تطاحن وفساد.
في ميدان الديمقراطية تمدنا الناصرية بأهم الدروس، خلافاً لما قد يتوقع البعض، وهذا الدرس يدور حول أنه ما من مبرر ـ أياً كان نوعه ـ يمكن أن يشكل عذراً لتأجيل الأخذ بالديمقراطية وجعلها جزءاً لا يتجزأ من المستقبل العربي.
ولكن ألا يشكل هذا كله رصيداً من الأمنيات بأكثر مما يشكل قسمات واقع على الأرض الآن وهنا؟
ليس تماماً، فهو أقرب إلى خارطة طريق، ينبغي السير في ضوئها، ولا نملك رفاهية تأجيلها، أو تأخير النضال من أجلها، لأن الانصراف عنها هو.. استقالة من المستقبل العربي.

