الكرامة الوطنية والسيادة الوطنية ليست مجرد كلمات جوفاء تتردد في الهواء، أو أناشيد ذات أصداء تغنى في المناسبات الوطنية، ولكنها مواقف وطنية حقيقية، وسياسات عملية وممارسات يومية تنتصر للوطن بحق، وترد الصاع صاعين دفاعا عن الكرامة الوطنية، وما قدمته الإدارة السياسية التركية الناجحة للأزمة الدبلوماسية مع إسرائيل في بداية الأسبوع الماضي.
هو درس في الدبلوماسية التي تدفعها الكرامة الوطنية الحقيقية وتسندها القوة في الحق، للتصدي للصلف والغرور الإسرائيلي، بقدر ما يبقى درسا لكل إدارة سياسية عربية أو إسلامية، في مواجهة العدوانية والغطرسة الإسرائيلية ضد ما هو فلسطيني وعربي وإسلامي.
لقد كان وقع الإنذار التركي غير المسبوق لإسرائيل، ردا على المسرحية الهزلية الصبيانية الإسرائيلية مدويا، بقدر ما كان رضوخ إسرائيل بسرعة غير مسبوقة لهذا الإنذار تراجعا مخزيا.. فلم يكتف الرئيس التركي عبد الله جول في إعلان إنذاره بتوقيت تلقي الاعتذار باليوم، بل بتحديده بالساعة، متوعدا بسحب سفيره من تل أبيب واتخاذ خطوات أخرى.
وقد سبق لإسرائيل، منذ عدوانها الإجرامي على غزة، أن جربت مرات ترجمة الغضب التركي الرسمي والشعبي على عدوانها، وعلى حصارها اللا إنساني على الشعب الفلسطيني في غزة، سواء في إلغاء مشاركة إسرائيل في مناورات الناتو الجوية حتى لا تلوث الطائرات الإسرائيلية التي ضربت غزة الأجواء التركية.
أو في منعها مشاركة أفيغدور ليبرمان وزير الخارجية الإسرائيلي، في الاجتماع الأورو متوسطي في تركيا، بناء على طلب مصر التي تطاول عليها ولم يعتذر!
ولقد مرت الساعات القليلة التي حددتها تركيا لإسرائيل كمهلة أخيرة لتقديم الاعتذار الخطي المطلوب لتركيا، في ظل انقسام إسرائيلي وارتباك حكومي، ثقيلة بدقائقها على كل من المتطرف الصهيوني نتانياهو رئيس الحكومة الصهيونية، ووزير خارجيته المتطرف الصهيوني ليبرمان وعلى نائبه الطائش بلا دبلوماسية داني أيالون.
قبل أن تدق الساعة التاسعة من مساء تلك الليلة المذلة لأركان الحكومة الإسرائيلية، قبل أن يسارع الرئيس الإسرائيلي العجوز شمعون بيريز بدهائه السياسي وخبرته العملية، مدفوعا بصلابة الرئيس التركي عبد الله جول، بالتدخل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه والإيعاز من جنيف لحكومته بالانحناء للعاصفة التركية، والرضوخ للإنذار وتقديم الاعتذار قبل نهاية المهلة بتسعين دقيقة!
وعندما تم تقديم الاعتذار الإسرائيلي الخطي إلى السفير التركي الذي أساءت له الجلافة الصهيونية، أعلن أردوغان العائد إلى إسطنبول لتوه من موسكو، في مؤتمر صحفي، «أن شروط تركيا قد لبيت»، لكنه لم يكتف بذل الاعتذار، بل أعاد تحذير إسرائيل قائلاً إن «إسرائيل يجب أن تلتزم النظام، وعليها الالتزام بالنزاهة والتخلي عن العدوانية، والتحلي بالروح السلمية».
ليزداد الانقسام والغضب في إسرائيل أكثر، إدانة للثلاثي الأحمق الذي وضع إسرائيل في موضع الإذلال وأهان «كرامتها الوطنية»، بحماقته الدبلوماسية، بل وطالبت صحف إسرائيلية باستقالة أو إقالة ليبرمان «داعية الكرامة الوطنية الإسرائيلية»، الشديد التطاول على الكرامة الوطنية للفلسطينيين وللمصريين وللعرب وللمسلمين على السواء.
وقد حفلت الصحف الإسرائيلية بالمقالات التي عبرت عن غضب الرأي العام الصهيوني، بسبب سوء الأداء الدبلوماسي وسوء إدارة الأزمة السياسية، فلم يكن أمام إسرائيل سوى الخنوع للهجمة الدبلوماسية التركية.. تقول صحيفة «هآرتس» مثلا في افتتاحيتها حينها: «كانت للدراما التراجيدية الكوميدية «إسرائيل ضد تركيا» التي قدمت هذا الأسبوع على مسرح وزارة الخارجية، نهاية سعيدة بالنسبة للمشاهد، حيث بعث الممثل الرئيسي، داني أيالون، برسالة اعتذار إلى السفير التركي ورؤسائه، فتخلت تركيا عن تهديدها بسحب سفيرها.
ومع ذلك، فإن المشكلة ليست بزلة لسان أو تعليق تسرب من اجتماع مغلق. بل كان عملاً متعمداً من وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان ونائبه أيالون، وكانت النهاية أبعد ما تكون عن النهاية السعيدة. وعلينا تحويلها إلى بداية شيء آخر: بداية إقصاء ليبرمان وأيالون عن قيادة السفينة المتهالكة للدبلوماسية الإسرائيلية.
وقد تبدو النهاية التركية للنزاع سليمة حتى الآن، بفضل السياسة الإسرائيلية الخاطئة والخسارة الأخيرة التي تكبدها الجنرالات الأتراك على الأرض في مواجهة الحكومة التركية».
وتحت عنوان «حمقى في مقعد القيادة» نشرت «هآرتس» مقالاً آخر جاء فيه: «عندما نشاهد هذه المسرحية، يجب أن نتذكر أن هناك من يتحمل مسؤوليتها: فخلف أيالون يقف ليبرمان، وخلف ليبرمان يقف نتانياهو.
وادعاءاته المتداعية حول «الكرامة الوطنية»، هي الروح القائدة المنتشرة بين القوات الإسرائيلية. وعلى الرغم من حرصه على التزام الصمت والاختباء وراء الكواليس، ينبغي له أن يتذكر أنه هو المسؤول عن اختيار الممثلين ومدير الإنتاج، والكاتب المسرحي والمخرج والمنتج لهذه المسرحية».
فهل كان الاعتذار الإسرائيلي بعد الإنذار سينهي الأزمة حقا؟ وهل زيارة إيهود باراك لتركيا ستنجح، عبر الجنرالات الأتراك، في وضع نهاية لتدهور العلاقات فعلا بصفقة طائرات أو ببعض التصريحات؟..
التحذير التركي الجديد على لسان أردوغان، والدعم الشعبي التركي لحملة «شريان الحياة 3» للشعب الفلسطيني المحاصر في غزة، والمظاهرات الشعبية التركية الغاضبة التي استقبلت باراك في أنقرة، ومطالبة صحف تركية بالقبض عليه كمجرم حرب طبقا للاتهامات الدولية.
ورفض الرئيسين جول وأردوغان استقباله.. تجيب بأنه لم يسدل الستار بعد على نهاية للأزمة الناتجة عن العدوان والحصار الصهيوني.. بل يبدو أن الشرخ قد ازداد عمقا، وسوف يزداد ما استمرت إسرائيل تمارس العدوان والاحتلال والحصار.
كاتب مصري