مصطلح «النظام العالمي الجديد» لم تعد له سيرورة، منذ أن بدأ ينبثق مع نهاية عقد الثمانينيات وبداية دخول عقد التسعينات وعلى امتداده. وفحوى المصطلح أنه مع انهيار المعسكر السوفييتي الاشتراكي، وبالتالي بلوغ عصر الحرب الباردة نهايته، دخل العالم عصرا جديدا تماما، هو عصر انفراد قوة عظمى وحدها بالهيمنة الكاملة الشاملة. هذه القوة هي الولايات المتحدة الأميركية.

لكن خلال السنوات العشر الأخيرة، أخذ بريق مصطلح «النظام العالمي الجديد» يخبو. فهل هذه علامة، ضمن علامات أخرى ذات دلالة، على أن الولايات المحتدة تفقد نفوذها الدولي بوتائر متصاعدة؟ هل هي بداية النهاية للقوة العظمى؟ وما هي المؤشرات ودلالاتها؟

مثل هذه التساؤلات المصيرية يتواتر طرحها بشدة على صفحات كبرى الصحف الأميركية، وكأن العد التنازلي للقوة العظمى بدأ بالفعل.

لنعد قليلا للوراء.

في عام 1989، ومع تردد أصداء انهيار الاتحاد السوفييتي في الآفاق العالمية، استوحى الفيلسوف الأميركي المعاصر فرانسيس فوكوياما فكرة كتابه الشهير «نهاية التاريخ»، الذي إذ نعى فيه زوال المعسكر الاشتراكي، فإنه بشر بأن المعركة الأيديولوجية العالمية انتهت بانتصار النظام الرأسمالي العالمي، ليكون النظام العالمي المخلد إلى الأبد.

وفي عام 1999 كان هناك تبشير آخر من الكاتب الصحافي الأميركي شارلس كوارثمار، حيث قال إن الولايات المتحدة قوية في مثل قوة الإمبراطورية الرومانية، ويبدو العالم بالتالي على وشك الدخول في «العقد الثاني الأميركي».

الآن يتصدى لهذين المفكرين مفكر أميركي ثالث، هو الكاتب توبي هارندن.

يقول هارندن في مقالة مطولة نشرتها صحيفة «هيرالد تريبيون»: «إذا أخذنا في الاعتبار هجمات 11 سبتمبر 2001 على نيويورك وواشنطن، واستمرار الحربين الدائرتين في أفغانستان والعراق، وأكبر أزمة مالية على مستوى عالمي منذ «الكساد العظيم» في الولايات المتحدة خلال عقد الثلاثينات، والصعود الاقتصادي للصين مع الهبوط الاقتصادي لأميركا، فإن ما بشر به كل من فوكوياما وكوارثمار يبدو الآن كمجرد أساطير».

أميركا تتدهور داخليا وخارجيا. هذا هو الاستخلاص النهائي للكاتب الأخير هارندن. وفي تفصيل الشرح، يقول إن العقد الزمني الأخير انتهى إلى ما ينبغي ان نطلق عليه الآن أزمة الثقة الأميركية. ويستشهد هارندن بنتائج استطلاع حديث، يفيد بأن 25% فقط من الأميركيين راضون عن الطريقة التي تسير بها الأمور في البلاد، مقارنة مع نسبة 69% قبل عشر سنوات.

فالنظام الرأسمالي يترنح الآن، بعد الضربات الموجعة التي تعرض لها النظام المصرفي الأميركي وانهيار بورصات الأسهم، ما كشف عن حقيقة أن الاقتصاد الوطني الأميركي صار على حافة الإفلاس، بعد أن فقد القدرة على الإنتاج.

من ناحية أخرى، تتآكل الثقة الشعبية الأميركية لنظام الحكم، بعد أن ثبت أن الطبقة الحاكمة كذبت على شعبها بادعاء أن العراق كان يمتلك أسلحة دمار شامل.

ويقول الكاتب إن ما انكشف بعد ذلك من فضائح التعذيب الشنيعة في سجن أبو غريب في العراق، أشعل مشاعر شعبية مفادها أن أميركا فقدت بوصلتها الأخلاقية.. فلم يعد بالتالي هناك مغزى أو معنى، فضلا عن احترام، تجاه الديمقراطية وما تنطوي عليه من قيم سامية، أدناها سيادة القانون وتقديس حقوق الإنسان.

وفي هذه الأثناء، وبينما تتآكل الولايات المتحدة من الداخل ويتراجع عنفوانها الدولي في الخارج، يتوالى صعود نجم الصين مع التوسع المذهل في حصتها المتعاظمة في مجال التجارة العالمية، الذي يعكس معدل نمو اقتصادي بنسبة 10 إلى 13%.. وهي نسبة لم يعرف التاريخ الاقتصادي البشري مثيلا لها.

وآخر الأخبار تحدثنا عن أن الصين، بعد أن غمرت منتجاتها من السلع التقليدية المصنعة أسواق العالم، فإنها تعد العدة الآن لدخول مرحلة تصدير السيارات والأدوات والتجهيزات ذات التكنولوجيا العالية، كأجهزة الكمبيوتر.

وهذه المرحلة سوف تتزامن على خط مواز مع مرحلة صينية جديدة، تتمثل في تطوير القوة العسكرية إلى مستوى نوعي يتلاءم ومستلزمات دور الصين كقوة عظمى، بمعنى التفوق الاقتصادي والتفوق السياسي. ومن أبرز علامات هذا التطور النوعي، تصنيع أقمار صناعية ذات طابع عسكري، وبناء حاملات طائرات حربية.

في هذا السياق يشكك الكاتب هارندن في مقولة «القرن الثاني الأميركي»، مرجحا أن القرن الحالي سوف يشهد تضاؤل القوة العظمى الأميركية.

هذا القول يكتسب المزيد من المصداقية، إذا أعدنا إلى الأذهان أن هناك دولا في العالم الثالث توصلت إلى الاستخلاص نفسه، فأخذت ترتب على أساسه سياسة تعاملها مع الولايات المتحدة. فمن كان يصدق قبل عشر سنوات أن واشنطن صارت موضع تحد سافر، من دول مثل فنزويلا وإكوادور وكوريا الشمالية وإيران.. بل وتركيا؟

وهذا بدوره يقودنا إلى تساؤل: متى يدرك العرب متغيرات العصر، وفي مقدمتها سقوط نظرية «نهاية التاريخ» وزوال ظاهرة «النظام العالمي الجديد»؟

كاتب صحافي سوداني

opinion@albayan.ae