كلما قامت حركة طالبان الأفغانية بتنفيذ هجوم على القوات الحكومية أو على جيوش التحالف بقيادة الولايات المتحدة تراودني فكرة التمعن في التاريخ والجغرافيا، وما ذلك إلا مثابرة في معرفة الخصائص التي تزرعها ثنائية الزمان والمكان في جينات الشعوب، بحيث يمكن من خلالها سبر أغوار التمكن التي تحكم حركة الأفعال، وترسخ القناعات الماثلة في إدارة الصراع مع الآخر.

وقد تبدو الحالة هنا بين قبائل البشتون والطاجيك والأوزبك وغيرها خارج معادلات السياسة كما يفهمها الغرب، وهي إن خضعت في جزء منها إلى معادل القوة المادية، لكنها في جانبها الآخر تأتي متلبسة بأطياف مجتمعة من العقائد والأعراف والصلابة والثأر والاستماتة والاستشهاد والعناد، وغيرها من ذخائر لا تنفذ، إلا إذا هيئت لها بيئات مختلفة. وهذا ما لم يحدث حتى الآن في ارض الأفغان.

الهجوم الأخير الذي هزت به طالبان العاصمة كابول وقصرها الرئاسي لا يستحق أن يحمل أكثر من واقعه، لكن الملفت فيه انه جاء بعد مغادرة المبعوث الأميركي الخاص لأفغانستان وباكستان ريتشارد هولبروك كابول بساعات، وأضف إليها معمعة الحكومة الجديدة، حيث حامد قرضاي يحلف وزراءه الجدد عدم ممارسة الفساد مثل سابقيهم.

حيث دفع الأفغان ما يصل إلى 5 .2 مليار دولار أميركي في شكل رشى على مدى الأشهر الـ 12 الماضية، حسب التقرير الصادر عن الأمم المتحدة. والدلالة أن الحركة بدأت تكرس مفهوم العمل النوعي من ناحية اختيار التوقيت والميدان، في رسالة لا تخلو من مضمون الندية مع الواقع الذي تسعى واشنطن إلى تثبيته.

المبعوث الأميركي هولبروك علق بسخرية على الحادث بأنه متوقع وصادر عن أناس يائسين، وهذا كلام يدعو إلى السخرية من الرؤية الأميركية للواقع، وهو جد بعيد عن حقيقة التفلت الطالباني في أكثر من موقع في تضاريس أفغانستان الوعرة.

وإذا كانت قوات التحالف بعديد قواتها الإضافية تمركزت في هلمند، فإن الضرب في العاصمة كان بمثابة مؤشر على ألاّ حصار يمكن أن يفرض على معارك الكرّ والفرّ بين الجيوش ورجال حروب العصابات، وأفضل من عبر عن الهجوم هو وزير الخارجية الفرنسي.

مشيراً إلى أن «الوضع خطير، كما هو عليه منذ وقت طويل للأسف»، مؤكداً أن المؤتمر حول مستقبل أفغانستان المقرر عقده في لندن في 28 يناير ينبغي «التحضير له بدقة بالغة والخروج بحلول عملية».

وبين هجوم كابول وعملية خوست، التي ضربت في معقل الاستخبارات الأميركية من خلال الأردني همام البلوي، حديث يطول لدى أروقة القرار في واشنطن، كما في أكثر من عاصمة غربية.

al_khabar@hotmail.com