عرفت الأسابيع الأخيرة صدور العديد من الكتب والتقارير السنوية، والملاحق في الدوريات الأوروبية المتخصّصة الكبرى، التي تعنى كلّها بمحاولة قراءة التوجهات الرئيسية التي ستسلكها القارّة القديمة خلال هذا العام الجديد.
الفكرة الأساسية التي يتفق حولها الجميع، هي أن أوروبا تفتتح هذا العام وهي في موقع جيّد للانطلاق نحو أفق أرحب، يُفترض أن يشد نحوها أنظار العالم، بل وربما اهتمامه الحقيقي في الاستفادة من النموذج «الفريد» الذي استطاعت بناءه.
لكن هذه الرؤية المتفائلة ليست سوى «نصف الصورة». فالميدالية لها وجهها الآخر، ذلك أنه، رغم «جمالها»، لا يصل صداها سوى إلى «نصف الطريق». الأمثلة كثيرة على مثل هذا الواقع. ففي عام 2008، وبعد انطلاق عاصفة الأزمة المالية الراهنة وسلسلة إفلاس العديد من البنوك والمؤسسات الأميركية الكبرى، وما تبع ذلك من عواقب على العالم كلّه، بدت أوروبا وكأنها صاحبة المبادرة الأهم لمواجهتها، حسب الصياغة التي قدّمها أساساً رئيس الوزراء البريطاني غوردون براون.
وكانت أوروبا أيضاً هي التي تصدّرت «جبهة النضال»، ضد مخاطر الغازات المنبعثة من المصانع ومختلف المحرّكات على المناخ وما عُرف بسخونة المناخ والاحتباس الحراري. الرئيس الفرنسي حاول أن يلعب دور المحامي ـ مهنته الأصلية ـ في هذا الملف، بالمشاركة مع المستشارة الألمانية انغيلا ميركل.
لكن في الحالتين كانت النتائج أقل كثيراً من الآمال المعلنة. فعلى صعيد الاقتصاد، برزت الشروخ سريعاً في الموقف الأوروبي نفسه. ذلك خاصة بين بريطانيا ودول الشمال التي أعلنت تمسّكها بمفهوم التجارة الحرّة والمنافسة في إطار اقتصاد السوق، وبين فرنسا وألمانيا ودول جنوب القارّة التي أكّدت بأغلبيتها على ضرورة تدخل الدولة في ضبط النشاطات الاقتصادية.
وبالنسبة لقضية المناخ، انتهت قمّة كوبنهاغن التي أُحيطت بأضواء إعلامية باهرة، إلى ما يقارب الفشل.
الهدف الذي ينبغي على أوروبا تحقيقه في عام 2010، كما حددته الرئاسة الإسبانية للدورة الحالية للاتحاد الأوروبي، هو محافظة نموذجها الاقتصادي على قدرة المنافسة العالمية، وإلاّ ستكون «نوعاً من المتحف الضخم الذي لا نفوذ له في العالم». لكن يبقى وزن أوروبا القادم مرهوناً إلى حد كبير بما ستؤول إليه جملة من التحديات والاستحقاقات، في ثلاث دول رئيسية هي فرنسا وبريطانيا وألمانيا.
في فرنسا يشكّل هذا العام 2010 «المرحلة الوسطى» في فترة رئاسة نيكولا ساركوزي. أي أن أفق التحضير للانتخابات الرئاسية القادمة ـ 2012 ـ لم يعد بعيداً. وهذا ليس غائباً عن ذهن الرئيس ساركوزي ولا عن اهتماماته، رغم تأكيده أنه «لن يكون مرشحاً».
لكن كل المؤشرات تدلّ على عكس ذلك. وفي هذه السنة قد يتقرر إلى حد كبير مصير هذا الاستحقاق. وإذا كان الرئيس ساركوزي قد نجح في تهميش اليمين المتطرّف، وشق وحدة معسكر اليسار وجلب عدداً من شخصياته للعمل معه، فليست قليلة هي المقالات والآراء التي يؤكّد أصحابها أن ملامح خارطة سياسية تتشكّل وتثير قلق معسكر الرئيس ساركوزي.
ولا شك أن الانتخابات المحلّية التي ستجري في شهر مارس القادم بمثابة استحقاق ـ امتحان حقيقي له، وعلى أساس نتائجها سيجد نفسه مضطرّاً، أو لا، لتغيير رئيس وزرائه.
على صعيد السياسة الخارجية، هناك انعقاد القمّة الفرنسية ـ الإفريقية في شرم الشيخ بعد أشهر، والتي سيتبيّن خلالها توجّه فرنسا نحو المحافظة على قواتها في إفريقيا جنوب الصحراء، أو توجهها إلى تقليصها وربما إعادة نشرها في مناطق أخرى، كدليل على سلّم أولويات فرنسا.
والتوتر في العلاقات الفرنسية ـ الأميركية مرشّح للتفاقم، رغم عودة فرنسا إلى البنى العسكرية للحلف الأطلسي.
الأمر مختلف بالنسبة لألمانيا، حيث يمكن للتحالف الحكومي الذي تجاوز عقبة الانتخابات وفاز فيها برئاسة انغيلا ميركل، أن يعزز توجهه نحو واشنطن، وزيادة الجهد العسكري الألماني في أفغانستان، وزيادة المساعدات لباكستان، وهذا كلّه في منظور التقارب مع واشنطن، وبالتالي «الابتعاد» عن باريس.
التحدي الحقيقي الذي ستواجهه ألمانيا هذه السنة، وستكون له آثاره على سمتها المستقبلي، هو من طبيعة اقتصادية. هناك نهوض واضح، وإن كان طفيفاً، للاقتصاد، لكن الزيادة كبيرة في عدد العاطلين عن العمل (4،1 ملايين في مطلع عام 2010 مقابل 5,3 عام 2009). خطة الحكومة لمواجهة الوضع، هي خفض الضرائب وتنشيط الصادرات.. فهل تنجح؟
بريطانيا هي التي قد تشهد أكبر التبدلات في السنة الجارية، فجميع المؤشرات واستطلاعات الرأي تقول إن المحافظين سيعودون إلى السلطة بعد غياب 13 سنة عنها. وبالتالي سيحتل الزعيم المحافظ دافيد كاميرون مكتب غوردون براون، في مطلع شهر يونيو المقبل على أبعد تقدير.
وفي الوقت الذي ستغيّر فيه بريطانيا قيادتها وسياستها، ستنشب معركة على قيادة حزب العمال. لكن في المقابل لن يتغيّر الكثير حيال سياسة بريطانيا الأوروبية.
محصّلة هذه التحديات والاستحقاقات كلها، ستكون مهمة لبلدانها.. وحاسمة للتوجّه الأوروبي القادم.
كاتب سوري ـ باريس