جاءت الزيارة الأخيرة للمبعوث الأميركي جورج ميتشل، في وقت تشهد فيه المنطقة تحركات سياسية ملحوظة منذ ثلاثة أسابيع على الأقل، تدور ما بين عدد من العواصم العربية وواشنطن ومعها باريس، في مسعى حثيث بات واضحاً، لإعادة الطرفين الفلسطيني الرسمي والإسرائيلي إلى طاولة التفاوض، بعد توقف طال واستطال منذ وقوع العدوان الإسرائيلي الهمجي على قطاع غزة أواخر ديسمبر 2008، وعلى خلفية تواصل عمليات التهويد والاستيطان الإسرائيلية الصهيونية.

فقد أشار العديد من المصادر الفلسطينية الموثوقة، في حديث خاص أسرت لنا به في لقاء معها، إلى أن انطلاق الرئيس محمود عباس في جولته الأخيرة، جاء بعد سلسلة من الاتصالات التي تمت معه، من قبل أطراف دولية مختلفة، وحملت في محتواها لغتين؛ لغة «الترغيب» بدعوة الطرف الفلسطيني الرسمي لحزم أمره والعودة الى طاولة المفاوضات، والقبول ب«سلة إغراءات» عنوانها «دولة فلسطينية» خلال أقل من عامين.

ولغة «ترهيب ووعيد» تحت عنوان «تجنبوا أيها الفلسطينيون (والمقصود الطرف الفلسطيني الرسمي إضافة لحركة حماس) الاستعدادات العسكرية الإسرائيلية المتحفزة لتوجيه ضربة قاصمة لقطاع غزة، وتجنبوا «إحراج الرئيس عباس» في الشارع الفلسطيني والعربي.

وفي هذا المجال نقل إلينا على لسان بعض المسؤولين الفلسطينيين، ومنهم رئيس لجنة المتابعة لقوى المعارضة الفلسطينية خالد عبد المجيد في لقاء لنا معه، أن القوى الفلسطينية أبلغت عبر أكثر من قناة، بأن الضربة الإسرائيلية ستكون جاهزة حال فشل الخيار السياسي بعودة الطرف الفلسطيني إلى طاولة المفاوضات مع حكومة نتانياهو.

بل وسربت جهات إسرائيلية معنية أخباراً مفادها أن بنك الأهداف الإسرائيلي قد حدد أكثر من 320 هدفا في قطاع غزة، لتدميرها في الوجبة الأولى من القصف الجوي حال انطلاق العملية العسكرية الإسرائيلية، وأن عمليات التصفيات الجسدية ستكون من ضمن الفعاليات العسكرية الإسرائيلية، لتستهدف قادة المقاومة على المستويين السياسي والعسكري على حد سواء.

وبالترافق مع التفاعلات المشار إليها، فإن حرارة التسخين السياسي والعسكري الإسرائيلي، اتخذت بدورها طابعاً إضافيا، عبر قيام الدولة العبرية الصهيونية بتنفيذ التمرين التدريبي الأكبر من نوعه في تاريخ إسرائيل، وهو تدريب ذو شقين؛ الأول شق عسكري عملياتي.

ويتعلق بمناورات عسكرية نوعية فوق مناطق مختلفة من الجولان السوري المحتل وفي منطقة النقب جنوب فلسطين المحتلة عام 1948، وشق آخر يتعلق بتدريبات الدفاع المدني في تل أبيب وعدد من المدن والتجمعات، ويهدف إلى تقييم قدرة الحالة الداخلية الإسرائيلية على التصرف في الظروف الاستثنائية الناشئة، حال قيام المقاومة الفلسطينية أو اللبنانية بالرد على العدوان الاسرائيلي الذي تهدد به تل أبيب كل يوم، وتشير فيه الى إمكانية استخدام قطاع غزة كميدان له.

وفي هذا السياق، فإن قيادة قوات الاحتلال أقرت مؤخراً نشر وحدات من جنود الاحتياط في الضفة الغربية، بدلا من «الوحدات النظامية» الموجودة الآن، في حال وجود «حالة طوارئ» في إسرائيل. وجاء هذا القرار بعد نقاش بسيط داخل قيادة الجيش الإسرائيلي، وتم الاستعداد لتطبيق هذا القرار.

ويجري الآن تشكيل هذه الوحدات العسكرية من جنود الاحتياط، وكذلك البدء في التدريبات العسكرية، بهدف الانتشار السريع في مناطق الضفة الغربية، في حال اندلاع العملية العسكرية العدوانية التي تهدد إسرائيل بالقيام بها ضد قطاع غزة وجنوب لبنان.

فيما رفعت إسرائيل في الوقت ذاته من ميزانية وزارة الحرب، لتصبح من جديد هي الأكبر بين ميزانيات الوزارات المختلفة، حيث تبلغ 51 مليار شيكل، مقابل 40 مليار شيكل لوزارة التربية والتعليم، و27 مليار شيكل قيمة ميزانية وزارة الصحة.

وما يهمنا من القول أعلاه، هو أن الدولة العبرية الصهيونية، وهي تمارس سياساتها الاستيطانية الاجلائية فوق الأرض الفلسطينية، وخصوصاً في منطقة القدس، تواصل في الوقت ذاته سياسة «العصا الغليظة» الموجهة، ليس ضد الفلسطينيين في الداخل الفلسطيني فحسب، بل ضد كل الأطراف العربية مجتمعة.

وتواصل في الوقت نفسه الصرف المالي الضخم وبسخاء على تطوير قدراتها القتالية، وبشكل غير مسبوق، بالرغم من تشدق قادتها بالحديث عن التسوية والسلام، مستفيدة من غياب الضغط الأميركي الحقيقي والجدي عليها لدفعها للقبول باستحقاقات سلام الشرعية الدولية.

وعليه، فإن زيارة المبعوث الأميركي السيناتور جورج ميتشل الى المنطقة، لن يكون بإمكانها إنتاج الجديد، طالما بقيت الولايات المتحدة تتعاطى مع إسرائيل وفق المتوالية ذاتها من المناشدات التي لا ترتقي لفعل الضغط والإجبار، لدفع إسرائيل نحو وقف عمليات الاستيطان بشكل كامل، والاستجابة لقرارات الشرعية الدولية.

فالموقف الأميركي العملي ما زال يمارس «الضغط اللفظي الخفيف والناعم» على إسرائيل، وبالتالي فإن الأمور باقية إلى الآن على حالها ولن تحرك ساكناً، بالرغم من انطلاق بعض الأصوات في الإدارة الأميركية من حين لآخر وهي تتحدث عن ضرورة وقف الاستيطان، وتهدد أحياناً وبشكل مبطن وخجول بوقف إرساليات وضمانات الدعم المادي والعسكري الذي تقدمه الولايات المتحدة سنوياً لإسرائيل.

وهكذا فإن نجاح جورج ميتشل في إحداث اختراق جدي وحقيقي في مسار المفاوضات، بين الدولة العبرية الصهيونية وكل من سوريا والطرف الفلسطيني، يتطلب دوراً آخر من الولايات المتحدة الأميركية، يتجاوز مواقفها الراهنة في اتجاه موقف عملي نوعي، يقترب أكثر فأكثر من الشرعية الدولية وقراراتها ذات الصلة.

كاتب فلسطيني ـ دمشق

bdwan60@aloola.sy