علقت إحدى الصحف الكويتية على الحالة التي باتت تعصف بالمجتمع الكويتي قائلة: «ملف الوحدة الوطنية كان بالأمس «الملف» الأبرز والأكثر سخونة على الساحة البرلمانية، التي شهدت تبادلا لعبارات ذات أبعاد فئوية، بناء على ما أثير من أقاويل بمنع الداعية السعودي د. محمد العريفي من دخول البلاد، فيما برزت دعوات (أخرى) لمحاصرة المسألة قبل أن تستفحل ويكبر خطرها« («أوان» الكويتية 18/1/2010).

يبدو لنا نحن المهتمين بالمشهد الكويتي من الخارج وكأنه حالة اجتماعية قابلة للانفجار، فهو هنا لا يفرغ من مشكلة استجوابية يرفعها أحد النواب أو بعضهم لشخص رئيس الوزراء أو أحد وزرائه، حتى يدخل المجتمع مرة أخرى في حالة «عراكية» جديدة.

وتتميز صراعاته «العراكية» بكونها تأخذ ثلاثة أبعاد رئيسية، ذات علاقة مباشرة بالمجتمع الكويتي. فهو إما أن يأخذ بعدا دينيا أو مذهبيا، وبالتالي فهو هنا يأخذ بعد الإيمان في مواجهة فكر أو جماعات علمانية. أو أنه يأخذ شقا دينيا آخر من خلال شقه للمجتمع الكويتي على أساس مذهبي طائفي.

وقد يأخذ الصراع بعدا آخر من أبعاد المجتمع الكويتي، ويقسمه هذه المرة بين جماعات حضرية تنتمي لداخل السور، وأخرى قبلية تنتمي لخارج السور(أي سور الكويت القديم). أي أن يأخذ الصراع بعدا قبليا، وهو بعد يشتد الشحن فيه إبان كل انتخابات برلمانية وبلدية، لكنه يشتد أيضا في أشكال صراع اجتماعي أخرى، لمقال يكتب هنا أو تصريح يقال هناك، أو حتى برنامج تلفزيوني قد يقلب الأمر من كونه كذلك إلى ساحة صراع سياسي.

فكل حدث هنا أو تصريح هناك، قد يجلب معه تبعاته على المجتمع الكويتي، بل ويتم توظيفه لخدمة شكل ما من أشكال الصراع المعلن والمستتر، بين التضامنيات الاجتماعية الكويتية المختلفة.

وهو صراع بات يعبر في بعضه عن مخاض عسير يمر به المجتمع الكويتي، وصراع على القوة ومكوناتها المختلفة، والذي لا يبدو أن تجربته المتقدمة في العمل السياسي على مدى العقود الخمسة الماضية، قد طورت كثيرا من الحالة الثقافية التي تحكم وتضبط العمل السياسي بين الجماعات المختلفة، عبر قدرتها على تطوير المداخل والأطر التي بها تحل الكثير من خلافاتها وصراعاتها، التي وإن أخذت بعدا دينيا أو قبليا أو مذهبيا، إلا أنها تعبر في واقع أمرها عن صراع على مركب القوة بكل مكوناته السياسية والاقتصادية.

وهو صراع لا يمكن حله بانعزال البعض دون الآخر، وإنما بأن يكون داخل أنفسنا مكان للآخرين المختلفين معنا، وهي مكانة تعني تمتعا مشتركا بالمنافع والمزايا، وتنازلا مشتركا من بعضنا لبعضنا الآخر، وفي القدرة على تجاوز التاريخ وأحداثه وتفسيراته الدينية.

وفي كل مشكل يحدث يحمّل معه الكويتيون تبعات أحداث تعصف بهم أياما وأسابيع وربما شهورا وسنين، وهي أحداث تُحمل الكويتيين شحنات معبأة بالمواقف وربما «الضغائن» نحو بعضهم بعضا. ويكون أبطالها في هذا، إما داعية مغمور أو نائب يبحث عن دور بطولي يلعبه في إطار جماعته التضامنية.

وفي كل هذه الحالات فإن التعاطي الرسمي لا يبدو متجاوزا لحالة المنع عن الكتابة أو القول أو البث أو الزيارة، وهي آليات قد تساعد في تجاوز آنية المشكل، إلا أن بعضها قد يأتي لضغط من هنا أو هناك، وهو ما قد يقود إلى تغيير القرار مع مزيد من الضغط، من تضامنيات مجتمعية تستخدم فنون العمل السياسي الجديد، ولكن لخدمة الجماعة في أطرها التقليدية.

ورغم أن البعض قد يرى في قرارات المنع لداعية هنا أوهناك نوعا من الحجر على حرية الرأي، إلا أنها حريات تبقى في التوظيفات التي تتم بها ومن خلالها نيلا من سلامة المجتمع وبنائه الوطني. وهي آليات يلجأ إليها الكثير من الدول الديمقراطية في الغرب.

فعندما تمنع دولة مثل بريطانيا أحد الدعاة العرب من دخولها، أو تمنع دولة أخرى بث برنامج تلفزيوني ذي معطى ترى فيه تحريضا على الكراهية، فإن هذا المنع، رغم اصطدامه الأساسي مع مبدأ حق الفرد في حرية التعبير، إلا أنه اصطدام قد يرى فيه بعض الساسة أمرا يهون مقارنة بتداعيات فعل الحرية المنفلتة على سلامة النسيج الداخلي للمجتمع.

ولا أعتقد أن ما يمر به بعض مجتمعاتنا في أطرها العامة وفي تنامي قوة تضامنياتها في مقابل قوة الدولة، هي تجربة قد مر بها الكثير من المجتمعات الأخرى التي لعبت فيها الدولة دورا محوريا في قدرتها على أن تكون متقدمة على واقع المجتمع، وأن تكون ذات قدرة على تجاوز كل عصبياته التقليدية.

أي أن تكون الدولة لكل المجتمع، وأن تأتي حماية الدولة والمجتمع فوق كل النزعات التقليدية، وهي حالة لم يبارحها بعد الكثير من قوانا الاجتماعية والسياسية.

كاتب بحريني

drbaqer@gmail.com