شاءت الأقدار أن تنطلق النسخة ال27 من بطولة إفريقيا للأمم لكرة القدم، التي تجري فعالياتها في أنغولا من 10 إلى 31 ينابر 2010، بالهجوم على حافلة منتخب توغو الذي قرر العودة إلى الديار.
الحادثة وقعت في مقاطعة كابيندا، التي استغل الانفصاليون والناشطون السياسيون فيها الحدث الإفريقي الذي يتابعه مئات الملايين في القارة السمراء والعالم، للتعبير عن مطالبهم وأهدافهم السياسية. وبهذا الهجوم الذي سبق المباراة الافتتاحية للبطولة، تأكدت مقولة ان الرياضة ليست بريئة، وفي الكثير من الأحيان تتقاطع وتمتزج بالسياسة.
في أولمبياد أثينا 2004 وجّهت اللجنة الأولمبية الأميركية رسالة رسمية إلى الرئيس جورج بوش الابن، طالبة منه عدم استغلال الألعاب الأولمبية في حملته الانتخابية ولأغراض سياسية. المشرفون على حملة الرئيس الأميركي أشادوا بمشاركة العراق وأفغانستان في الألعاب، وأشادوا بفضل أميريكا «بلد الحرية وحقوق الإنسان» في تحقيق ذلك.
وأصبح أداء فريق كرة القدم العراقي، من فضائل وخيرات «العم سام» على العراق والشعب العراقي. فبمنطق خبراء الحملة الانتخابية لجورج بوش، فإن أميركا لم تخلص الشعب العراقي من ويلات الرئيس صدام حسين فقط، وإنما أعطت الفرصة للعراق للمشاركة في الأولمبياد وتقديم أداء رائع في كرة القدم.
أسدل الستار على الألعاب الأولمبية في العاصمة اليونانية أثينا، بحضور شخصيات سياسية بارزة من رؤساء وملوك ومسؤولين سياسيين كبار من جميع أنحاء المعمورة.
الحضور في مدرجات الملعب في مراسم الافتتاح ومراسم الاختتام فاق الـ 70 ألف متفرج، وأمام شاشات التلفزيون عبر القارات الخمس فاق ملياري نسمة. هذا الحضور وهذا الاهتمام العالمي، يعتبر فرصة ذهبية للساسة والحكام والدول، لإبراز العضلات والقوة، واستغلال الاهتمام الجماهيري لتمرير الرسائل السياسية التي يريدها هذا الرئيس أو ذاك الزعيم.
الألعاب الأولمبية لم تصبح لعبة ورياضة فحسب، وإنما تخطت هذا البعد الرياضي لأبعاد أخرى، مثل الاقتصاد والسياسة والدبلوماسية والعلاقات الدولية. مع مطلع القرن العشرين تحوّلت الملاعب إلى فضاءات للدعاية السياسية، وللتجنيد ولغسل الأدمغة، وحتى للانقلابات العسكرية.
فعبرت الشعوب المستعمرة (بفتح الميم) عن حقها في تقرير مصيرها، من خلال مشاركاتها المختلفة في المحافل الرياضية الدولية، وكان فريق جبهة التحرير الوطني الجزائري إبان استعمار فرنسا للجزائر، خير سفير للقضية الجزائرية.
ونلاحظ اليوم المنتخبات الفلسطينية ودورها الريادي والاستراتيجي في التعريف بالقضية الفلسطينية وإسماع صوت أطفال الحجارة للعالم. كما عبّرت الأقليات والأعراق عن حقوقها من خلال الرياضة، وخير دليل على ذلك الزنوج الأميركيون، ابتداء من العداء المشهور «جيسي أوينز»، إلى الملاكم العالمي محمد علي الذي رفض أن يلتحق بالجيش الأميركي في فيتنام.
وهكذا بلغ استغلال الرياضة سياسيا ذروته مع صعود الأنظمة الشمولية، في ألمانيا الهتلرية النازية وإيطاليا الموسولينية الفاشية والاتحاد السوفييتي من لينين إلى ستالين إلى خروتشوف وبريجنيفالخ.
ففي سنة 1934 استضافت إيطاليا بطولة العالم لكرة القدم، واستغل الفاشيون الحدث وحوّلوا ملاعب كرة القدم إلى حلبات للدعاية وغسل الأدمغة وتجنيد الجماهير، واستغلال حماسهم والروح الوطنية لديهم ومشاعرهم القومية، للزج بهم في حروب لا فائدة من ورائها.
وفي سنة 1936 استقبلت ألمانيا النازية الألعاب الأولمبية، وجمعت برلين الرياضيين من جميع أنحاء العالم، لكن بشرط أن يعلم الجميع أن العرق الآري هو أحسن عرق فوق الأرض، وأنه ولد ليتفوق وليحكم العالم.
وهكذا زحفت ألمانيا من الملاعب المختلفة للرياضات الأولمبية، إلى غزو جيرانها وإعلان الحرب على العالم. كما لا ننسى أن هتلر رفض أن يسلم الميدالية الذهبية للعداء الأميركي الأسود «جيسي أوينز»، لا لشيء إلا لأنه أسود وفي منطق هتلر غير ممكن للأسود أن يتفوق على الأبيض.
الأيديولوجية الاشتراكية والشيوعية بدورها استغلت الرياضة لتأكيد تفوقها وقوتها. فالاتحاد السوفييتي ومن كان يدور في فلكه، وخاصة ألمانيا الديمقراطية ورومانيا وبلغاريا والمجر وتشيكوسلوفاكيا، كانت كلها تستثمر استثمارا لا حدود له في مجال الرياضة، وكانت تنفق مئات الملايين من الدولارات على رياضييها، وفي بعض الأحيان تستعمل المنشطات وكل الوسائل للتفوق على المعسكر الرأسمالي.
وكان الصراع يشتد دائما بين المعسكر الاشتراكي والمعسكر الرأسمالي في المحافل الرياضية الدولية، وكانت دولة مثل ألمانيا الديمقراطية بحجمها الصغير وإمكانياتها المحدودة آنذاك، تهزم في المسابقات الرياضية العالمية دولا أكبر وأكثر قوة، مثل فرنسا والولايات المتحدة وإيطاليا وبريطانيا واليابان.. الخ.
وابتداء من السبعينات من القرن الماضي، ظهرت الحروب الخفية في المجال الرياضي باستعمال المقاطعة الرياضية. ففي سنة 1976 قاطع معظم الدول الإفريقية الألعاب الأولمبية، احتجاجا على مشاركة نيوزيلندا التي كانت تقيم علاقات سياسية واقتصادية مع نظام «الأبارتيد» العنصري في جنوب إفريقيا. وفي سنة 1980 قاطع أكثر من 60 دولة الألعاب الأولمبية في موسكو، احتجاجا على غزو الاتحاد السوفييتي لأفغانستان.
وفي الألعاب الموالية سنة 1984، ردّ المعسكر الاشتراكي الصاع صاعين وتعامل بالمثل، فقاطعت 18 دولة الألعاب الأولمبية التي احتضنتها الولايات المتحدة الأميركية في لوس أنجلوس، متذرعة في ذلك بانعدام الأمن.
المونديال والألعاب الأولمبية والرياضة بصفة عامة، ليسا فقط كما نظّر لهما «بيير دي كوبرتان» وغيره، مبادئ ومثلا عليا وترقية للخصال البدنية والأخلاقية وتربية الشباب بواسطة الرياضة، وروح التفاهم المتبادل والصداقة من أجل بناء عالم أفضل وأكثر سلما، عالم تسوده القيم الإنسانية العليا، والأخلاق والمحبة والوئام، وإنما هما كذلك مظهر من مظاهر الصراع السياسي بين دول تتنافس وتتصارع كلها، من أجل إثبات أنها هي الأقوى وهي الأحسن والأجدر بالفوز.
كما أن الرياضة وسيلة من وسائل إلهاء الشعوب، ولو مؤقتا، عن مشاكلها وهمومها اليومية. ولكن، ماذا سيفعل البرازيليون، مثلا، بعد نشوة الفوز بكأس العالم مع مشاكلهم اليومية وأوضاعهم الاقتصادية المتدهورة وديونهم المتصاعدة؟ وهل بإمكان كرة القدم أن توّحد الكوريتين؟
وهل مشاركة العراق وأفغانستان في أولمبياد أثينا وفي أولمبياد الصين وفي برلين بعد سنتين، ستقضي على أعمال التخريب والجرائم والقتل وعدم الأمن والاستقرار في هذين البلدين؟ وهل الأداء الجيد لفريق كرة القدم العراقي في الأولمبياد سيحل هموم ومشاكل الشباب العراقي؟
قال هتلر يوما، وصدق، «إن ملايين الناس المدربين على الرياضة الشغوفين بحب الوطن، المتشبعين بالروح الهجومية، يمكن أن يتحولوا في رمشة عين إلى جيش».
عميد كلية الاتصال، جامعة الشارقة
