عندما كنا صغاراً وطلبة في المدارس، وتعرفنا على العالم من خلال ما درسنا ومشاهدة وتصفح موسوعات خرائط العالم، وعلى الكرة الأرضية من خلال كتب الأطلس، كنا نشاهد قارات العالم وتقسيمات الدول المختلفة وما تتميز به هذه الدول من معالم، تاريخية أو حضارية أو سياحية معينة.

مثل سور الصين العظيم، وتاج محل في العاصمة الهندية دلهي، أو مسجد أيا صوفيا في إسطنبول، برج إيفل في باريس، ساعة بغ بن الشهيرة في لندن، تمثال الحرية في نيويروك، أهرامات الجيزة في القاهرة، وبرج بابل بالعراق، مدينة البتراء الأثرية بالأردن.

وإن انتقلت إلى الخليج العربي ستشاهد ما يميز خارطة الجزيرة العربية التي رسمها الغزاة البرتغاليون، فقد أطلقوا على الخليج العربي «خليج آكلي السمك»، وإن كانت هي مهد الديانات ومقر لأهم معلم على مر السنين (الكعبة المشرفة)، فإن الذي ارتبط في أذهان الجميع، هو صور لكثبان رملية وسفينة الصحراء (الجمل)، وبعد اكتشاف النفط ظهرت صور آبار النفط موزعة على دول الخليج.

تلك كانت أهم مميزات دول الخليج ودولة الإمارات العربية المتحدة لسنوات طويلة، وإن تميزت ببعض المعالم التي واكبت النهضة التنموية والحضارية منذ ما يقارب خمسين عاماً، إلا أن هذه الصورة النمطية التي تكونت مع الأيام، بدأت تأخذ شكلاً آخر استطاعت به أن تغير هذه الصورة، ودبي كانت أكبر مثال لذالك.

وقد حاول الإنسان عبر مسيرة طويلة تجسيد لحظات خلدها التاريخ، سواء بريشة فنان أو بصورة رسمتها أنامل مبدعة او عدسة فوتوغرافية، انتقلت مع الأيام لتحكي لنا قصص هذه الانطباعات، وقد حدد اغلبهم هذه اللوحات بإطارات محددة، سواء ممن رسم على الجدران أو نقش على الصخور أو رسم على قطعة قماش أو صورة انعكست على ورقة، لتحدد بعد ذالك بإطارات اتخذت أشكالاً مختلفة من الألوان والنقوش والزخارف، التي زادت هذه اللوحات إبداعاً مع إبداعها، لتبهر آلاف البشر الذين أسرتهم لوحات الفنانين الكبار التي علقت في كبرى متاحف العالم.

ولكن في المقابل، هناك أشخاص خرجوا بأفكارهم عن المألوف وتميزوا بنظرة أكبر من حدود الإطار، فقاموا باستغلال المساحة المخصصة للإطار للرسم عليها أو على حدود الإطار، ولم تتقيد أفكارهم بحدود معينة ولم يبقوا سجناء لنظرة أو موضوع ذي حد معين.

ومن تولوا حكم دبي من آل مكتوم الكرام وما جاورها من إمارات أخرى، كانت لديهم النظرة المستقبلية التي أعطتهم المجال لتخيل لوحة دبي وكيف ستصبح لسنوات طويلة قادمة. هذه النظرة واكبت التقدم في تنمية العقول البشرية، والنهضة العمرانية، والمحافظة على الشواهد التاريخية والأثرية والتراثية، لتتصدر دبي بإبداعات من هندسة الحكام الذين استغلوا كل شبر من أرضية اللوحة، لإضافة إبداع متناسق في كافة المجالات.

ومنذ أن تولى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء، الحكم في دبي، بدأ يضفي على هذه اللوحة جمالاً فاق حدود الإطار، وتجاوز أغلب الدول التي تضع نفسها في إطار لا مجال للخروج عنه أو التغير فيه.

فبمجرد ما برزت ألوان ريشة الفنان المبدع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، بدأت تتضح معالم الصورة الجديدة لدبي، وأعطت مجالاً لمن يرسم خارطة العالم ويزينها بمعالم شهيرة ترتفع عن سطح الكرة الأرضية، كي يفكر في وضع خريطة جديدة لدول الخليج العربي، لترسم أيدي خبراء الجغرافيا والتاريخ شواهد ومعالم ليست مألوفة، لكنها مصدر اعتزازنا وفخرنا بأن نكون أبناء هذه الصحراء، الذين خرجوا للعالم وتأثروا بمن حولهم، ثم أثروا فيه.

فقد استطاع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم الخروج عن حدود الإطار، ليضيف للجزيرة العربية آفاقاً أجبرت الجغرافيين على تغيير موسوعات أطلس العالم.

تلك كانت أحلام وتطلعات أبناء المنطقة لأجيال عديدة، وكانت حكاية لوحة دبي تشغل بال كل من لديه فكر ورؤية كانت وما زالت خارج نطاق المألوف، ولكن في حدود الإمكانيات المتاحة وبفضل من الله سبحانه وتعالى، أكمل المسيرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، دون النظر إلى حدود أو التقيد بنظم كانت تصلح لفترات سابقة.

لكن دبي الحاضر والمستقبل تحتاج إلى مواكبة ما يعيشه العالم من تطور سريع، وإلى السعي الحثيث للوصول إلى نهاية السباق في زمن قياسي، يعطي للعالم العربي ولدولة الإمارات العربية المتحدة ولإمارة دبي، بعدا إضافيا لتكون أبرز واجهات خرائط العالم التي يسعى الجميع لاكتشاف ما تتميز به، وليكون «برج خليفة» المعلم الأبرز على الصعيد العالمي.

وسوف تستقطب هذه اللوحة بأسرارها الكثير من سكان المعمورة، وسوف يبقى تميز هذا السر بأنه كان دون إطار.

كاتبة إماراتية

an.artist1988@hotmail.com