لم أتوقع البتة أن السياسة والعسكرة ستحضران في زلزال هاييتي، ولم يكن وارداً أن أكتب عن نكبة هذا البلد، نظراً للصور بالغة الفجاعة التي تصل، وكأن لسان المقال يقف عاجزاً أمام لسان الحال بمشهده البائس.
وما لبثت الأخبار تترى من هناك عن تشابك دولي بين كبرى العواصم، وتبادل للاتهامات في حين مازالت الجثث تحت الأنقاض، لم تصل إليها بعد معدات استخراج أشلاء الموتى، ويا لها من مهزلة عالمية أبطالها دول التحضر والتشدق الإنساني.
عندما تحدث رئيس فنزويلا باستغراب عن الحشد الأميركي المسلح الذي وصل إلى مطار الجزيرة المنكوبة ظننا بأن الرجل يمارس هرطقة المعارضين للفكر الرأسمالي، لكن سرعان ما انضم إلى ركب المنتقدين دول أخرى ذات أحجام ثقيلة مثل فرنسا والبرازيل باتهام واشنطن باحتكار مطار هاييتي مما أجبر دولاً غيرها على استخدام مطار جمهورية الدومينيكان المجاورة، وحسب المصادر الصحافية فإن باريس وبرازيليا قدمتا احتجاجاً لواشنطن بهذا الخصوص، وذهب رئيس نيكاراغوا دانيال أورتيغا بعيداً باعتباره أن واشنطن تستغل الفوضى السائدة في البلد المنكوب لتثبيت قوات عسكرية في أرض كاريبية وأميركية لاتينية.
إذن نحن أمام ملامح أزمة تنسج على جثث البشر المتعفنة في انتظار من يسترها تحت التراب بدلاً من الانشغال بتقسيم الأرض المنكوبة على القادمين الجدد، وهنا يختلط الفعل الإنساني تجاه الأزمة مع التصرف الحيواني في مفارقة لا تخلو من شعور بالصدمة.
واشنطن التي أعطت الجميع الأذن الصماء سارعت إلى تأكيد الظنون بإنزال ما يقارب 12 طائرة هليكوبتر عسكرية فيما كان قصر الرئاسة قبل أن يجعله الزلزال أنقاضاً، وطبعاً لم تكن الطائرات محملة بالمساعدات الإنسانية بل بقوات ومعدات قتالية تاركة للجميع التأويل والتحليل كل حسب هواه وما يتمناه.
الأنكى والمفجع واللامعقول في مصيبة هاييتي هو نقل الأطفال بهذا الشكل السريع والمريب إلى جهات غير معلومة خارج وطنهم، بحجة أنهم باتوا أيتاماً لا راعي لهم على فرضية أن كل عوائلهم انقرضت، حتى قبل البحث عنهم بين أنقاض الزلزال، ولقد حذرت وكالة اليونيسيف من أن تبني الأطفال الذين فقدوا آباءهم وذويهم يجب أن يكون ملاذاً أخيراً مبدية خشيتها من الاتجار بالأطفال.
مع هذه الأخبار التي تدل على رعونة التعاطي وغموض التصرفات على الأقل فيما يصل إلينا، لا تستغربوا أن تسمعوا عن عصابات الأعضاء البشرية وعن تجارة الرقيق، ليسجل التاريخ أننا أدخلنا إلى موسوعة قسوة بني الإنسان مصطلحاً جديداً عنوانه تجار الزلازل، والذي يعتبر نكوصاً للبشرية تجاوز تجارة الحروب.
