الربع الأخير من عام الأزمة 2009، قدم للعالم بعض مؤشرات الأمل في أيام أفضل قادمة، ولكن هذا الأمل ليس له أساس على أرض الواقع، بل لا يعدو كونه مجرد أخبار إعلامية وكلام مكتوب على ورق، وليست له ترجمة في الواقع. فقد تواردت أنباء عن تقلص البطالة في الولايات المتحدة الأميركية، وسمعنا رؤساء بعض الدول يعلنون بشيء من التهيب والحذر عن أولى مؤشرات النمو الاقتصادي.

وسمعنا عن عودة مؤشرات البورصات للارتفاع، وارتفعت أسعار المحروقات، وقرأنا تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة، الذي توقع فيه أن الاقتصاد العالمي سيستأنف نموه في العام الجديد. ولكن الغريب في تقرير الأمم المتحدة، أن الخبراء الاقتصاديين يحذرون من أن الاقتصاد العالمي حاليا في مرحلة انعطاف حاد، ولا ندري من أين تأتي التنمية ومؤشرات التفاؤل!

الأزمة المالية العالمية مستمرة منذ سنة ونصف تقريبا. والحقيقة أن المستجدات التي طرأت على الاقتصاد العالمي خلال هذه الفترة، أبعد ما تكون عن الإيجابية. ففي جميع البلدان بلا استثناء، انكمش الإنتاج الصناعي، ما أدى إلى تزايد البطالة وتقلص الطلب عموما، وتضاؤل الناتج الوطني الإجمالي. وانخفض الطلب على الطاقة والوقود (في الولايات المتحدة بنسبة 4%، وفي أوروبا بنسبة 6%).

ورغم هذا ارتفعت أسعار النفط، مما زاد من أزمات الدول المستهلكة للطاقة، واضطرت الحكومات إلى اتخاذ إجراءات غير مسبوقة، من حيث السعة والنطاق، للحيلولة دون غرق اقتصادياتها الوطنية. ولا يمر يوم واحد دون أن نسمع خبرا اقتصاديا سيئا في مكان ما من العالم، دولة تفلس وأخرى على وشك الإفلاس وديون متعثرة هنا أو هناك، وفي الولايات المتحدة، منشأ الأزمة، لا يمر أسبوع واحد دون انهيار بنك.

وحتى الصين، العملاق الذي يحسده الجميع منذ بداية الأزمة، بدأت تظهر فيها مؤشرات أزمة قروض عقارية ربما تفوق حجمها في الولايات المتحدة، ولو انفجرت هذه الأزمة في الصين فستكون لها تداعيات كارثية على العالم كله، حيث أن الصين وحدها تجذب الآن أكثر من 20% من استثمارات صناديق المال العالمية، وتعتبر الملاذ الوحيد الآمن الآن للعديد من الاستثمارات، ولكن المؤشرات في سوق العقارات الصيني لا تطمئن.

رغم كل هذه الوقائع ذات الدلالة الكبيرة، لا تزال الأزمة في أنظار البعض تبدو سطحية غير خطيرة، وكأنها مرض خفيف طارئ على الاقتصاد يمكن علاجه بسهولة. هؤلاء المتفائلون يصدقون بسرعة أخبار تراجع مستويات البطالة في الولايات المتحدة، أو تزايد الإنتاج الصناعي في الصين، ويعتبرون ذلك دليلا على تعافي الاقتصاد العالمي.

أما الخبراء الأكثر حذرا فيقولون إن بعض الانتعاش في اقتصاد عدد من البلدان، لا يعني بالضرورة ضمانة الخروج السريع من الأزمة التي يمكن أن تستفحل وتستمر لأعوام أخرى. وهناك موقف ثالث بهذا الخصوص، يقول إن الأزمة الاقتصادية العالمية الحالية ليست ظاهرة مزعجة وزمنية، بل هي بداية النهاية للنظام الرأسمالي العالمي بشكله الراهن المعتاد.

ويؤكد الخبراء المؤمنون بهذا الرأي أن النظام المذكور استنفد طاقاته، ولا جدوى من انتظار شفائه.

لقد كثرت السيناريوهات الكارثية بشأن المستقبل، والتي تقوم على فكرة حتمية هلاك الحضارة، نتيجة لتلوث البيئة وتقلص الموارد الطبيعية وتوقف النمو الاقتصادي، وتفاقم الظلم الاجتماعي والتوزيع الجائر والظالم للخيرات، حيث الدول المتطورة صناعيا تستهلك من الموارد بالنسبة للفرد الواحد من السكان، أكثر بعشرين مرة من الدول الفقيرة.

وها هي الأزمة تكشف الحقيقة وتؤكد أن حياة الرفاه والشبع في البلدان المتطورة، والتي تطبل لها وسائل الإعلام الغربية وتزمر، ما هي إلا واجهة مزوقة تحجب عن الأنظار القاذورات والدماء والآلام، التي يعاني منها ملايين الناس هناك. لقد آن الأوان للتحذير من أن التطور اللاحق للاقتصاد العالمي الرأسمالي لصالح الشركات الكبرى، إنما يقود البشرية إلى الهلاك.