هل يمكن القول إن الإنترنت قد أثرت على طرائق التفكير والبحث الخاصة بنا؟ وهل يمكن القول إن عقلية التعامل مع الإنترنت تختلف بدرجة أو بأخرى عن عقلية التعامل مع النصوص المكتوبة وعلى رأسها الكتاب؟ وإذا كانت الإجابة بنعم؛ ما هي حدود هذا الاختلاف؟ وإلى أي مدى يؤثر على طبيعة المعرفة التي نكتسبها ونتواصل بها مع الآخرين؟
لا يمكن إنكار المدى الذي أثرت به الإنترنت على حجم المعارف التي نكتسبها الآن، فما من شيء نريده إلا ونجده جاهزا أمامنا عبر شاشات الكومبيوتر، وفي أي مكان كنا. وبديلا عن الرفقة المعتادة للكتاب أو المجلة، وفرت الإنترنت فضاء جديدا للمعرفة، لم نعتده طوال آلاف السنين من عمر الحضارة البشرية.
لقد وفرت الإنترنت الوقت والمعاناة، فبديلا عن الذهاب للمكتبات والجلوس عبر قاعاتها من أجل العثور على كتاب ما وقراءته، أصبح بإمكاننا البدء في الموضوع مباشرة والولوج إلى ما نريد. يكفي المرء مثلا أن يتصفح موسوعة «ويكيبيديا» لتمثل له مدخلا لما يريد، أو على أقل تقدير توجيها لما يريد البحث عنه في مراحل تالية. كما أن المرء يمكنه عبر استخدام المتصفح الشهير «جوجول» السياحة المعرفية في كافة أشكال الموضوعات، والتواصل أيضا مع منتجيها أيا كان مكانهم حول العالم، كل هذه الجوانب وفرتها الإنترنت ومنحتنا من خلالها آفاقا جديدة لم نَخْبَرها من قبل.
ورغم ذلك، فإن الإنترنت خلقت شكلا جديدا من أشكال المعرفة يمكن أن نطلق عليه «المعرفة المبتورة»؛ فالإنترنت وفرت مواد معينة وأغفلت غيرها. كما أنها، وفي إطار الربحية المرتبطة بها، لم توفر كل شيء وفي كل مجال، وهو ما جعل البعض من متصفحيها يكتفون بما يجدونه عبرها، بوصفه المتاح للتعرف على الظاهرة أو الموضوع.
وهي مسائل تغفل إلى حد بعيد عن معنى البحث العلمي العميق والدقيق. كما أن طريقة البحث عبر الإنترنت ذاتها، تتسم بالتشتت الكبير وعدم التركيز، على عكس الاندماج المتعمق بين القارئ والكتاب على سبيل المثال. فالمتصفح للإنترنت يجد نفسه متنقلا من موضوع لآخر ومن صورة لأخرى، وربما من دردشة لأخرى، دون رابط حقيقي يربط بين ما يقوم به. وهي مسألة تجعل التعامل المعرفي عبر الإنترنت أقرب للتحرك السريع من موقع لآخر ومن موضوع لغيره، دون التركيز المطلوب والتعمق الحقيقي. وهذه مسألة لا ترتبط فقط بطبيعة القراء، بقدر ما ترتبط بطبيعة الإنترنت ذاتها التي تحاول أن تجذب القارئ لأشياء عديدة، عبر الموقع ذاته وعبر الصفحة ذاتها.
كما أن التصفح عبر الإنترنت خلق جيلا جديدا من القراء الأقرب لمستهلكي الوجبات السريعة الذين يتعلقون بالمعرفة السريعة، بدون أي تعمق حقيقي وتواصل معرفي مطلوب، وهي مسألة أصبحت منتشرة بدرجة كبيرة بين الأجيال الجديدة الأكثر إدمانا للإنترنت والأكثر تعاملا معها. ورغم هذا الاستخدام الواسع المدى والذي تشجع عليه المدارس والجامعات، فإنه لم يخلق اتجاها واسعا وراسخا من أجل تعميق المعرفة والتحول من بداياتها الأولى عبر تصفح الإنترنت، إلى الكتب والدوريات العلمية الأكثر رصانة.
فقد قتلت الإنترنت بشكل كبير التعامل مع الكتاب والورقة والقلم، وهي جميعها أدوات، رغم تقليديتها، تلعب دورا كبيرا في التفكر والتدبر المعرفيين. كما أن الإنترنت وسعت من عمليات القص واللزق، وسهلت السرقات بدرجة كبيرة من المواد المعروضة عبر صفحاتها. فالملاحظ على نطاق واسع أن من يكتبون بحوثهم وتقاريرهم العلمية أو الفكرية عبر صفحات الإنترنت، يميلون إلى الاقتباسات الهائلة مما يجدونه عبرها، دون أي احترام لحقوق الكتاب ودون محاولة هضم المادة المعرفية والتحاور أو الجدل معها، مثلما يحدث عبر الكتاب والدوريات العلمية الرصينة، رغم شيوع السرقات فيها أيضا.
لا يعني ما سبق أن الإنترنت لم تقدم شيئا للمعرفة، فكما قلنا فإنها وفرت مادة معرفية غير مسبوقة للمتصفحين، لكنها قدمتها في قوالب مختصرة وغير منضبطة، وهو ما وسم تشكلها في عقلية القارئ أيضا، بالفوضى والتجزيء وعدم الاكتمال. فالمعرفة عبر الإنترنت معرفة غرضيه من أجل تحقيق غرض ما وقتي ومحدد. فحينما نختلف على عدد سكان دولة ما، فإننا نلجأ إلى الإنترنت من أجل الاحتكام، وحينما نختلف على عنوان أغنية فإننا نلجأ لها أيضا، مثلما نلجأ إليها من أجل شراء شيء ما. من هنا فإن الإنترنت صبغت المعرفة بالنزعة العملية الغرضية السريعة، التي نشأت هي ذاتها من أجلها، أما التدقيق العميق والبحث الهادئ المتواصل، فهما من أبعد ما يكون عن طبيعة الإنترنت ذاتها والأهداف التي نشأت من أجلها.
لا يمكن تجاهل التعامل مع الإنترنت بوصفه ركنا أساسيا في حياتنا المعاصرة، سواء في المنزل أو في المدرسة أو الجامعة، أو في مراكز البحث العلمية المختلفة أو في أي مكان آخر، لكن من الضروري الدمج بينها وبين طرائق المعرفة التقليدية التي تربت عليها الحضارة الإنسانية، حيث المكتبات والكتب والورقة والقلم، وحيث التدقيق والصرامة العلمية اللذان لا توفرهما الإنترنت كما هي عليه الآن.