الصين، هذه الدولة الشاسعة الممتدة في عمق التاريخ بحضارة ذات خصائص مميزة، هي حديث الناس هذه الأيام. فرغم الأزمة الاقتصادية التي لم تسلم منها أي دولة، وانطلقت شرارتها من أكبرها قوة، وهي الولايات المتحدة التي تحتل لوحدها حوالي ربع النشاط الاقتصادي العالمي، فإن الصين خرجت وقد حافظت على معدلات نموها تقريباً، ثم إنها فوق ذلك بزّت ألمانيا من حيث الصادرات، ليكون ترتيبها الثاني بعد الولايات المتحدة، وهي فاقت الأخيرة لتأخذ منها الريادة كأكبر سوق للسيارات.

والصين التي نفضت عنها غبار التخلف والجمود لتنطلق في فضاء التنمية الرحب، منذ ثلاثة عقود ونيف تقريباً، لها قصة عجيبة. فقد كان يمكن أن يأخذ سيرها نحو التطور طريقاً غير الذي سلكته، يشابه في توقيته ومساره ذلك المسار الذي اختطته تجربة أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأميركية. بل ربما كانت في حقيقة الأمر أفضل وضعاً من تلك المجتمعات التي قادت العالم نحو عصر الرأسمالية، بما حواه من تغير تقني واجتماعي عاصف.

وقد جال الرحالة العربي ابن بطوطة (1304-1369) الصين في القرن الرابع عشر الميلادي (في عز تطورها وسؤددها) فكتب عنها معجباً ليقول: «وإقليم الصين متسع، كثير الخيرات والفواكه والزرع والذهب والفضة، لا يضاهيه في ذلك إقليم من أقاليم الأرض». وأهلها «أعظم الأمم إحكاماً للصناعات، وأشدهم إتقاناً فيها».. «وهم أهل رفاهية وسعة عيش». وبلاد الصين ـ يقول في موضع آخر ـ «آمن البلاد وأحسنها حالاً للمسافرين، فإن الإنسان يسافر منفرداً مسيرة تسعة شهور، وتكون معه الأموال الطائلة، فلا يخاف عليها».

في ذلك العصر الذهبي، دشنت الصين عهد الرحلات البحرية الاستكشافية، سابقة رحلة كولومبوس بقرن تقريباً. فقام أمير بحرها (زينغ هي) المسلم، حسب الدكتور شوقي رمضان عثمان في مؤلفه «تجارة المحيط الهندي في عصر السيادة الإسلامية»، بسبع رحلات بين 1405 و1433، وصل فيها إلى جزر اندونيسيا وسيلان وشرق إفريقيا، جالباً معه أنواع النفائس والأحجار الكريمة، فضلاً عن حيوانات تلك المناطق، من زرافات وحمر وحشية للحديقة الإمبرطورية. ومارس زينغ هي نفوذاً واسعاً في المناطق التي غطاها، واستخدم القوة حيثما وجد مقاومة، ففي إحدى المرات أسر قرصاناً من سومطرة، وفي أخرى اعتقل ثائراً من سيلان.

وتكونت رحلته الأولى من أسطول من 317 سفينة، بطاقم من البحارة يربو على الثمانية والعشرين ألف رجل، مقارنة بأربع سفن كان يتكون منها أسطول كولومبوس على متنها 150 بحاراً فقط! وكانت أطوال أكبر سفن الأسطول الصيني (سفن الخزينة) تقدر بأكثر من أربعمئة قدم، أي أربعة أضعاف سفينة كولومبوس سانتا ماريا، وكانت السفن الصينية ذات تسع سواري.

ويشير فريد زكريا في كتابه «ما بعد العصر الأميركي»، إلى أن السفن الصينية كانت مصنوعة بإتقان ومن أجود الأخشاب، وبتقنيات عالية لمقاومة تسرب المياه، مع توافر أسباب الرفاهية فيها، وكان الحوض الجاف في ميناء جانجنغ الأكبر في العالم آنئذ. ففيه تم بناء أو إصلاح 1681 سفينة في ثلاث سنوات، بعد العام 1405، وهو ما لا يمكن حتى تخيل حدوثه في أوروبا في ذلك الوقت!

ولو استمرت الصين في هذا المنوال من ارتياد البحار وتفوقها في صناعة السفن مع وجود البوصلة لديها، لربما سبقت الأوروبيين في اكتشاف الأميركتين وأستراليا، وربما تغير تاريخ العالم في عصوره الحديثة. غير أن حدثاً ما لم يكن في الحسبان، ففي ثلاثينات القرن الخامس عشر وصل إلى السلطة إمبرطور جديد أوقف الرحلات الاستكشافية والتجارية.

وفي العام 1500 ميلادية، صدر مرسوم بإعدام كل من يبني سفينة بأكثر من ساريتين. وبعدها بمدة صدر أمر بمصادرة أي سفينة في عرض البحر، مع إلقاء القبض على بحارتها. ثم كانت الضربة القاضية في العام 1551، حينما تم تحريم ركوب البحر لأي غرض، بسفينة لها أكثر من سارية! هكذا تحطمت صناعة السفن الصينية وانتهى عهد ريادتها للبحار، ليتسلمها من بعدهم البرتغاليون والقوى الأوروبية الأخرى!

لقد كلف هذا القرار التاريخي الخاطئ الصين خمسة قرون من التخلف والجمود، وكان سبب اتخاذه راجعاً إلى أن الحملات الاستكشافية كانت تكلف خزينة الدولة الأموال الطائلة، ولم تكن دائماً حملات مربحة، وكانت تصب في الأساس لصالح التجار، مما أوغر الحقد والحسد في نفوس بيروقراطية الدولة وموظفيها الكبار. كما أن هجمات المغول التي أخذت تتزايد، جعلت الامبرطورية الصينية تركز على الداخل.

وكان لا بد أن يمر أكثر من ثلاثة قرون على ذلك القرار (قصير النظر)، كي تصل أول سفينة صينية إلى أوروبا في العام 1851 لحضور معرض لندن الكبير. وخلال ستة قرون من العام 1350 إلى العام 1950، يذكر فريد زكريا أن معدل الناتج المحلي للفرد في الصين ظل بحدود الستمئة دولار، في حين ازداد من 662 دولارا إلى 4594 دولارا في أوروبا الغربية، أي بزيادة 594%!