الانتخابات هي الكلمة التي تتردد، هذه الايام، على كل الالسن، مرتبطة بصفات مثل التأجيل، التزوير، الترشيح، التسجيل، ويسبق ذلك قيامها في مواعيدها المقررة. وبالتالي يعلق عليها السودانيون آمالا عراضا، وكأنها المفتاح السحري لكل مشاكلهم وأزماتهم.

وسط هذا الصخب، ساءلت نفسي: هل الانتخابات وسيلة أم غاية في حد ذاتها؟ وهذا سؤال يقودنا مباشرة للتساؤل: هل ستحمل الانتخابات معها التغيير والبديل الذي طال انتظارنا له؟

يفترض في الانتخابات المقبلة أن تكون وسيلة تغيير، بمعنى أن تأتي بالحزب أو القوى السياسية التي تحقق الآمال المؤجلة طويلا. وقد وعدنا بها الحزبيون منذ الانتخابات الاولى عام 1953، ولم يشذ الانقلابيون في بياناتهم الأولى.

وهي في الواقع آمال بسيطة، لا تزيد عن تحقيق الوحدة الوطنية، والتنمية والديمقراطية المستدامة.

وتأتي هذه الانتخابات والبلاد مهددة أكثر من أي وقت مضى بالانفصال والتفكك، فهل ستكون إنقاذا وتجنبا للكارثة أم سوف تعمّق الخلافات أكثر وتجعل رتق ما تمزق أكثر صعوبة؟

يدخل السودانيون الانتخابات المقبلة وهم يتأهبون للخروج من أعتى وأشرس أزمة في تاريخها. فقد تعرضت البلاد لكل وسائل تقسيم وتشتيت السودانيين وتفرقهم! مما شجّع القبلية في مناطق عديدة.

لكي تكون بديلا عن الانتماءات الحزبية، واعاد تقسيم القبائل، بالذات في دارفور وكردفان، من خلال النظام الفدرالي وترسيم حدود إقليمية للمحليات والمعتمديات والولايات، بالاضافة إلى توزيع المناصب حسب القبائل.

وقد عانى المؤتمر الوطني نفسه من هذه السياسات، حين شرع في تسمية مرشحيه في الدوائر الانتخابية، ليشتمل ضمنا على مبدأ لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى.

ولا نريد التحامل على حزب المؤتمر الوطني، فهو لم يخلق ظاهرة القبلية والتشرذم، ولكنه وجدها واضحة أو كامنة فقام بتشجيعها.

يمكن القول إن الانقسامية والانشطارية ظاهرة تاريخية أصيلة في الواقع السوداني. ويعود ذلك، أولا، الى غياب الدولة المركزية في تاريخ البلاد.

فالسودان لم يعرف الدولة المركزية الفيضية، التي تقوم بتنظيم عمليات الري والزراعة. كما أن البيئة الصحراوية الغالبة في أراض شاسعة ساعدت على التنقل والحركة، مما حرم السودان من التجمعات السكنية الكبيرة المستقرة.

وليس من المبالغة القول إن السودان لم يعرف الدولة المركزية الموحدة، ولا المجتمع المتجانس، ولا الثقافة المتفق والمجمع عليها، لذلك نتصارع حول الهوية. وظل السودان لفترة طويلة مجرد تعبير جغرافي، يشير الى السودان الكبير الذي يمتد من المحيط الأطلسي إلى البحر الاحمر.

فقد كان السودان القديم منذ الألف الثانية قبل الميلاد، ساحة للغزوات والحملات العسكرية والنهب والاسترقاق من قبل الشمال. ثم انتشرت المسيحية، ولكنها لم تمنع السودان من الانقسامات والتشرذم، إذ قام أكثر من دولة.

ثم قام كيان سياسي سوداني، هو سلطنة الفونج أو السلطنة الزرقاء (1504-1821)، واعتبرها المؤرخون مجرد كونفدرالية لمشيخات تجارية أو تحالفات قبلية. ولم يقم الحكم التركي ــ المصري (1821-1885) ولا المهدية (1885-1898) دولة مركزية.

وعند مجيء الادارة البريطانية المحتلة، عملت على الاستفادة من الانقسامات القبلية، من خلال ما سمي بالإدارة الأهلية، حيث فوض شيوخ وزعماء القبائل سلطات محلية، وهكذا تم تكريس النظام على أسس جديدة.

وبعد الاستقلال عام 1956، ترك الحكم الوطني الامور كما هي، رغم مطالبة القوى الحديثة بإلغاء الإدارة الأهلية. وحاول النميري (1969-1985) تغيير الادارة الاهلية، ولكن التجربة لم تضرب بجذورها، ولذلك أعاد النظام الحالي الإدارة الأهلية.

انعكس هذا الانقسام والانشطارية والتشرذم على السياسة في السودان باشكال متعددة. فقد تم تقسيم الدوائر الانتخابية على أسس جغرافية، وهذا يعني، في الواقع، التقسيم قبليا. ولذلك جاءت برلمانات ما بعد الاستقلال تعبيرا عن وجود قبلي واضح، وجه سياسات البلاد كما يريد.

وانقسم السودان إلى قوى تقليدية، وهي الأغلبية ويمثلها شيوخ وزعماء القبائل. تقابلها القوى الحديثة من المتعلمين والموظفين وتجار المدن.

ومع هيمنة القوى التقليدية، لم تجد القوى الحديثة حرجا في اللجوء إلى الانقلابات العسكرية، لاستحالة وصولهم إلى السلطة عن طريق صناديق الاقتراع.

ويطالب قادة القوى التقليدية بالديمقراطية «الليبرالية»، للاستفادة من قاعدة صوت واحد لكل شخص، فهي تحرز في هذه الحالة الأغلبية الميكانيكية.

ومن الواضح أن الانشطارية والانقسامية هذه المرة، قد أخذت منحى ضارا وخطيرا. فقد ظهر أكثر من سبعين حزبا. فهل هذا تعبير عن الواقع، بمعنى أنه يفترض في الحزب أن يمثل طبقات وفئات اجتماعية معينة؟

وعلى المستوى الفكري، من المفترض أن يتبنى الحزب أيديولوجية معينة تميزه عن الاحزاب الاخرى، فهل نجد هذا العدد من المواقف الايديولوجية والفكرية؟ وأين هو انتاجها الفكري المكتوب والمنشور؟

لذلك، من الطبيعي أن يقوم أغلب هذه الاحزاب على أسس شخصية ومزاجية، ولا تمثل أي إضافة حقيقية للتطور السياسي والفكري في السودان.

وهي ليست ظاهرة صحية ولا تعني التعددية، بل التشتتية وخلط الافكار وتسطيحها. كما انها تتسبب في تصعيد شخصيات عديمة الموهبة، لتدعي النخبوية والقيادة.

وأغلبية هذه الأحزاب لا تصدر صحفا وليست لها مقار. فالسودان يعيش فوضى حزبية تضر بعملية التطور الديمقراطي، وستكون الانتخابات مثقلة باحزاب كثيرة بلا جدوى، مما يعقد العملية السياسية.

انتقلت العقلية الانشطارية إلى داخل كل حزب، ولا يوجد أي حزب لم ينشق إلى أكثر من جناح. وبعض الاحزاب، رغم قدمها وتأثيرها الكبير، الا أنها تضم عددا محيرا من الاجنحة، وهذا ينطبق على حزبيّ الامة والاتحادي الديمقراطي.

ولم ينج أنصار السنة، وهم تنظيم ديني أصولي يفترض فيه التماسك. وهذا الوضع المبعثر يعني استحالة أن يحصل أي حزب على أغلبية مطلقة بمفرده..

وهذه سمة سودانية في الحكم، إذ غلب على الحكومات طابع الائتلاف والتحالفات المهتزة، وبالتالي عدم استقرار واستمرار الحكومات.

ويصبح البرلمان ساحة للمناورات، حيث يقدم النواب أنفسهم للمساومات. وهذا ما يجعل البعض يقول باننا غير مؤهلين للديمقراطية. فهل الانتخابات هي الحل؟

نخشى أن تكون الفترة المقبلة مليئة بالتوترات والصراعات. فالسودان بلد شديد التعقيد، وصاحب تاريخ طويل من الانقسام والانشطارية، عجزنا عن تجاوزه في عصر حديث يتجه العالم فيه نحو التكتل والتوحد.

لذلك فإن مفهوم «التعدد» في السياق السوداني، لا يحمل بالضرورة معاني إيجابية. وعلى السودانيين البحث عما يجمع وما هو مشترك، أي ما هو قومي أو روح الأمة السودانية.

كاتب سوداني

ssc_sudan@yahoo.com