منذ أن سيطرت حركة «حماس» على السلطة في قطاع غزة في يونيو 2007، وهي تعاني من عزلة غير مسبوقة. فنجاح «حماس» في السيطرة على واقع غزة، خلق واقعاً جديداً.

واقع سلطتين فلسطينيتين: «حماسستان» في غزة، و«فتح لاند» في الضفة الغربية. وهكذا تحولت غزة ما بعد الانسحاب الصهيوني، والتي كان يمكن لها أن تصبح نموذجاً رائعاً للاستقلال الفلسطيني، إلى حالة من الفوضى والدمار والاقتتال.

لقد زاد الانقسام الفلسطيني بين حركتي «حماس» و«فتح» في إدخال القضية الفلسطينية ما يمكن تسميته بالنفق المظلم، ولا سيما في ما يتعلق بتداعياته السلبية بالضرورة على مسارها.

ففي ظل غياب المرجعية الوطنية التي يمكن الاحتكام إليها عندما تبرز أزمة من نوع وحجم ما تواجهه الساحة الفلسطينية، أي المأزق الذي دخل فيه النظام السياسي الفلسطيني.

حيث «حماس» تعتبر جزءاً منه، أصبحت القضية الفلسطينية تواجه خطر التصفية، بوصفه نتيجة منطقية لما يسمي بعملية التسوية التي وصلت إلي طريق مسدود.

منذ أن برزت الحركة الإسلامية الجهادية في المشهد السياسي الفلسطيني في عقد الثمانينيات من القرن الماضي، ظل المسار الفلسطيني خاضعاً لمشروعين، أحدهما يؤمن بالتسوية طريقاً لحل القضية الفلسطينية، وبالتالي بناء الدولة الفلسطينية المستقلة.

والآخر يؤمن بخيار المقاومة على ما يكتنف هذا الخيار من غياب تأصيل فكري وثقافي وسياسي للمشروع الوطني الفلسطيني، وظل هذا الوضع حتى إجراء انتخابات 26 يناير 2006.

تجربة حركة «حماس» في السلطة طيلة السنوات الماضية، وما تخللها من اقتتال داخلي وانقسام فلسطيني حاد، أثبتت إخفاق حركة «حماس» في الجمع بين السلطة والمقاومة.

وفي تنفيذبر نامج لإصلاح النظام السياسي الفلسطيني، وفي مواجهة الفساد المتفشي، وفي تحسين عملية التسوية الخاضعة بدورها للشروط الأميركية الإسرائيلية. في الوقت الحاضر، تواجه حركة «حماس» مصاعب حقيقية على أربع جبهات مختلفة: الجبهة الأولى تتعلق باستراتيجية «حماس» وتحالفاتها الإقليمية.

فحركة «حماس» متحالفة مع إيران، بوصفها الداعمة الرئيسية والتقليدية للحركة على الصعيدين المالي والعسكري، لكن إيران تعيش أزمة بنيوية كبيرة على الصعيد الداخلي، وأزمة في علاقتها مع محيطها العربي.

هذا ما عبر عنه وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل، عندما التقى رئيس المكتب السياسي لـ«حماس»، خالد مشعل، في الرياض مؤخرا: «طلبت من مشعل أن يوضح لنا أين تقف حركة حماس من القضية الفلسطينية، بمعنى هل تعتبرها قضية عربية، أم هي قضية تتبع طرفاً آخر؟»، في إشارة إلى إيران.

الجبهة الثانية تتعلق بتعثر المفاوضات مع إسرائيل، من أجل إطلاق سراح الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليت المعتقل منذ يونيو 2006. الجبهة الثالثة تتعلق باستمرار رفض «حماس» التوقيع على الورقة المصرية بشأن المصالحة الوطنية الفلسطينية، لا سيما وأن إسرائيل هي المستفيد الرئيس من الانقسام الفلسطيني.

وجاء قرار الحكومة المصرية ببناء الجدار الفولاذي تحت الأرض، للقضاء على الأنفاق المحفورة على الحدود بين مصر وقطاع غزة، ليشكل ضربة قوية لـ«اقتصاد الأنفاق»، وليزيد من تـأزيم العلاقة بين «حماس» ومصر.

الجبهة الرابعة هي جبهة المفاوضات الفلسطينية ــ الإسرائيلية.

حيث باتت الدول العربية الأساسية الماسكة بالملف الفلسطيني، تعتبر أن المصالحة ليست شرطا لاستئناف المفاوضات بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، وأن منظمة التحرير ورئيسها محمود عباس، هي الممثل الشرعي والوحيد للفلسطينيين في هذه المفاوضات.

تواجه حركة «حماس» تحديات كبيرة: تنامي الإفقار والبطالة بسبب الحصار المفروض على قطاع غزة، وتراجع نجم «حماس» كحركة مقاومة ضد إسرائيل بسبب الهدنة العسكرية الطويلة معها، وإخفاقها في إدارة السلطة كحكومة، في ضوء مسؤوليتها عن إدارة الشؤون الحياتية والمعيشية لنحو 4.1 ملايين فلسطيني.

ولجوء «حماس» إلى طريق الحسم العسكري والخيار الأمني التسلطي، في التعامل مع الخصوم السياسيين، الذي من شأنه تعميق الخلاف والانقسام، وهو أمر غير مقبول ومرفوض مجتمعياً وخارجياً.

على الفلسطينيين أن يدركوا أن الحل الحقيقي يأتي من خلال وحدتهم ووحدة وطنهم، والعمل على بناء استراتيجية وطنية مقاومة، والعودة إلى الثوابت الوطنية.

كاتب تونسي

tawfik-m@scs-net.org